يقع ضريح الإمام الأوزاعي جنوبي بيروت عند ساحل البحر، في منطقة تسمى باسمه: الأوزاعي والتي كانت تعرف سابقاً بقرية حنتوس. وهو مدفون خلف الجدار الجنوبي للمسجد القائم هناك والمعروف بمسجد الأوزاعي.
ومسجد الأوزاعي هو أقدم المساجد في بيروت على الإطلاق، ويؤكد على هذا القول وجود ضريح الإمام صاحب المقام بداخله. ويتألف المسجد من مبنيين: أحدهما قديم بني في أوائل العهد العباسي والآخر حديث أنشأ عام 1954 بمساعي جمعية الخدمات الاجتماعية.
فوق محراب المسجد نقيشة من رخام فيها إسم الأوزاعي وتاريخ ولادته ووفاته واسم المكان الذي دفن فيه وهو قرية حنتوس. في مقدمة الجامع مئذنة حديثة، وفي الجهة الشرقيّة منه مقبرة إسلاميّة صغيرة دفن فيها بعض أعيان المسلمين من المفتيين والأمراء كالمفتي الشيخ محمد توفيق خالد، المفتي الشيخ حسن خالد ، المفتي الشيخ محمد علايا، والزعيم العربي رياض الصلح الذي اغتِيل في الأردن عام 1951م.
كما وللإمام الأوزاعي زاوية تقع في سوق الطويلة في وسط بيروت كان يجلس فيها الإمام للتدريس .
من هو الأمام الأوزاعي ؟
هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأَوْزَاعِيّ، ولقّب بالأوزاعي نسبة الى قبيلة أوزاع - قرية بدمشق.
ولد في بعلبك سنة 88 هـ، 707م وهي إحدى المدن اللبنانية. توفي والده قبل ولادته، فنشأ يتيماً تحت رعاية والدته، في بيتٍ فقير وكانت تنتقل به من بلد إلى بلد. تأدّب بنفسه، فلم يكن في أبناء الملوك والخلفاء والوزراء والتجار وغيرهم أعقل منه، ولا أورع ولا أعلم، ولا أفصح ولا أوقر ولا أحلم، ولا أكثر صمتاً منه.
تلقى الإمام الأوزاعيّ علومَه الأولى في بلدة الكرك في سهل البقاع وفي دمشق في زمن الخليفة الأمويّ عمر بن عبد العزيز، وبعد أن أصبح في عمُر الشباب صار يكتب الرّسائل والكتب في دواوين الحكومة.
أدّى خدمته العسكريّة في بعثةٍ إلى اليمامة حيث التقى بعلمائها. فسمع من يحيى بن أبي كثير وانقطع إليه فأرشده للسفر إلى البصرة ليسمع من الحسن وابن سيرين . فسار إليها فوجد الحسن قد توفي من شهرين ووجد ابن سيرين مريضاً، فجعل يتردد لعيادته، فقوي المرض به ومات ولم يسمع منه الأوزاعي شيئًا . ثم جاء فنزل دمشق بمحلة الاوزاع خارج باب الفراديس، وساد أهلها في زمانه وسائر البلاد في الفقه والحديث والمغازي وغير ذلك من علوم الإسلام . روى عن عطاء بن أبي رباح، والقاسم ابن مخيمرة، ومحمد بن سيرين حكاية، والزهري، ومحمد بن علي الباقر، وإسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، وقتادة، وعمرو بن شعيب، وربيعة بن يزيد، وشداد، وأبي عمار، وعبدة ابن أبي لبابة، وبلال بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيمي، ويحيى بن أبي كثير، وعبد الله بن عامر اليحصبي، ومكحول، وأبي كثير السحيمي وغيرهم.
وحدّث عنه جماعات من سادات المسلمين، كمالك بن أنس والثوري والزهري، وهو من شيوخه .
وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: أفسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه.
وكان الأمام الأوزاعي يفتي وهو ابن خمسٍ وعشرين سنة، حتى بلغ عدد المسائل التي أفتى بها أكثر من سبعين ألف مسألة. ولخّص مذهبه في خمسة أمور، عندما قال: "خمسة كان عليها الصّحابة والتابعون رضي الله عنهم: لزوم الجماعة، إتباع السّنة، عمارة المساجد، التلاوة، والجهاد".
وقال يحيى القطان عن مالك: اجتمع عندي الأَوزاعي والثوري وأبو حنيفة فقلت : أيهم أرجح؟ قال: الأوزاعي .
وقال عنه ابن حبان في كتابه مشاهير علماء الأمصار: أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا وورعًا وحفظًا وفضلًا وعبادةً وضبطًا مع زهادةٍ.
وللإمام الأوزاعي مصنفات كثيرة ومنها : مُسند الأوزاعي، كتاب السنن في الفقه، كتاب المسائل في الفقه و كتاب سير الأوزاعي.
ولقد أجمع العلماء على أن الإمام الأوزاعي كان إماماً في الحديث، فقد أحصِيت مرويّاته في كتب الصّحاح حتى بلغ عدد الأحاديث التي رواها أكثر من 280 حديثاً، كما كان إماماً في الفقه رضي الله عنه وأرضاه، قال يحيى بن معين :" كان الأوزاعيّ حجّة " وقال: العلماء أربعة: الثوري، وأبو حنيفة، ومالك، والأَوزاعي .
وقد بقي أهل دمشق وما حولها من البلاد على مذهبه نحوًا من مائتين وعشرين سنة، ثم انتقل مذهبه إلى الأندلس وانتشر هناك فترة، ثم ضعف أمره في الشام أمام مذهب الإمام الشافعي، وضعف في الأندلس أيضًا أمام مذهب الإمام مالك.
وكانت عبادة الإمام على درجة عالية من الرّقي، وكان ذو روحانية شفافة للغاية، وحين سُئل عن الخشوع في الصّلاة قال :" إنه غضُّ البصر، وخفض الجناح، ولين القلب وهو الخوف " .
قال بشر بن المنذر: كان الأوزاعي كأنه أعمى من الخشوع، وقال ابن مسهر: كان يُحيي الليل صلاة وقرآناً، وقال الوليد بن مسلم: ما رأيت أحداً أشدَّ اجتهاداً من الأوزاعي في العبادة . ودخلت امرأة على زوجة الأوزاعي فرأت الحصير الذي يصلي عليه مبلولًا فقالت لها: لعل الصبي بال ههنا . فقالت: هذا أثر دموع الشيخ من بكائه في سجوده، هكذا يصبح كل يوم .
كما اشتهر هذا الإمام العظيم رضي اللهُ عنه بقوله للحقِّ وجرأته في نصح الأمراء والحكام في الحق، لا يخاف في ذلك لومة لائم. وقد أعطته مكانته العلمية والدينية والروحية حصّة كبيرة من تقدير الحكام والأمراء والذي كان يتجلى له بقبول شفاعته والنزول عند رأيه و رغبته وحكمه.
وقد شهد له بالمعرفة والصَّلاح الكثير من العلماء والصَّالحين فقال عبد الله الخريبي: " سمعتهم يقولون: الأوزاعي أفضلُ أهل زمانه". وقال إسماعيل بن عيّاش: "سمعت الناس يقولون سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمّة". وقال عنه الإمام مالك: " كان الأوزاعي إمام أهل زمانه" وقال: كان الأوزاعي إماماً يُقتدى به. وقال عنه الحافظ ابن كثير : الإمام الجليل علامة الوقت... فقيه أهل الشام وإمامهم . وقال عنه الذهبي : كان رأساً في العلم والعمل، جمُّ المناقب. ومع علمه كان بارعاً في الكتابة والترسل .
وعندما شارف الإمام على الخمسين من عمره، تفرّغ للعلم والجهاد في سبيل الله فكان رباطه في بيروت التي أعجب بها وبأهلها.فقد مرَّ بقبورها فإذا امرأة سوداء في القبور فقال لها: أين العمارة يا هنتاه ؟ فقالت: إن أردت العمارة فهي هذه - وأشارت إلى القبور - وإن كنت تريد الخراب فأمامك - وأشارت إلى البلد - فعزم على الإقامة بها .
توفيَ رضي الله عنه في بيروت يوم الأحد 28 صفر سنة 157 هـ، 16 يناير 774 م، وهو دون السبعين بسنة واحدة، في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وترك سبعة دنانير فقط، أنفقها أهله على تجهيزه ودفنه بعد وفاته رضي الله تعالى عنه. ويُروى أنّ سبب وفاته هو اختناقه بغاز الفحم وهو يغتسل.
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي قال: كنت جالساً عند الثوري فجاءه رجل فقال: رأيت كأن ريحانة من الغرب - يعني قلعت - قال: إن صدقت رؤياك فقد مات الأوزاعي، فكتبوا ذلك فجاء موت الأوزاعي في ذلك اليوم .
ويَروي عبد الحق الإشبيلي: "ولمّا مات الأوزاعي رضي الله عنه إجتمع0 للصّلاة عليه ما لا يحصي عددهم إلاّ الله تعالى، ورُوِيَ أنه أسلم في ذلك اليوم من أهل الذمَة ـ اليهود والنصارى ـ نحو ثلاثين ألفاً، لِمَا رأوا من كثرة الخلق على جنازته "
وقال يومها أمير السّاحل أرسلان :" من يُظلم بعدكَ فليصبرْ "
|