من شروط البقاء التمكينُ للمؤمنين في الأرض

فالوعد باستخلاف المؤمنين في الأرض بالحكم والسلطان المعان بالمعونة الربانية، المستتبع  بأن يمكّن الله لهم في الأرض ويجعلهم ذوي قوة وسلطان، مشروط باتصافهم بصفات، منها : أن يواظبوا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون هذا ظاهرة اجتماعية فيهم.

فقال الله عز وجل في سورة النور: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(56)﴾.

وأنزل الله عز وجل بعده في سورة الحج: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(41)﴾.

فجعل الله من الصفات الدائمة للمؤمنين ـ سواء أكان لهم تمكين في الأرض أم لم يكن لهم تمكين ـ أن يعملوا الصالحات، وذلك بأن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويطيعوا الله ورسوله.

أما الذين يمكِّن الله لهم في الأرض بالقوة والسلطان فشرط بقاء هذا التمكين مع الصفات السابقات أن تكون لهم ثلاث صفات ظاهرات:

ـ إقامة الصلاة
ـ وإيتاء الزكاة
ـ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ما سبقه من وسائل تربوية منها النصح والإرشاد إحدى الظواهر اللازمة للمجتمع الإسلامي الذي يمكن له في الأرض، ويبقى له هذا التمكين.

فإذا اختلت شروط التمكين لهم في الأرض لم يكن لهم عند الله وعد بأن يبقي لهم هذا التمكين المعان بمعونات غيبية من لدنه، بل يكلهم إلى أنفسهم وإلى أسبابهم.

حماية سفينة المجتمع الإسلامي من الغرق

وبقيام أفراد وجماعات المجتمع الإسلامي بوظيفة النصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق المنهج التربوي القرآني، تسير سفينة المجتمع المؤمن المسلم في بحر الزمن آمنة من التعرض للغرق، لأن ركّابها يسيرون بها وفق منهج الله لهم، فيحميها الله لهم بسبب قيامهم بحمايتها وحراستها المستمرة، متعاونين، متناصرين، متناصحين، متوادين، آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وآخذين على أيدي المفسدين يمنعونهم من خرق السفينة باسم حرياتهم الفردية، وذرائعهم المضللة.

فكل مؤمن ومؤمنة رقيب وحارس وقائم بواجبه ضمن مجال حركته في مجتمعه، فإذا ضعفت إرادة أحدهم في صراعه مع نفسه، ومال إلى الانحراف أعانه أخوه المؤمن القريب منه، فنصحه وأرشده وأنهضه من كبوته، ثم أمره بالمعروف ونهاه عن المنكر بحزم إذا لم يستجب بالرفق، فإذا تمادى أخذ على يده بقوة إن تيسر له ذلك، وإلا استعان بمؤمنين آخرين في دائرة حركة المنحرف، فإذا عظم الانحراف في المجتمع تدخلت دائرة أوسع من دائرة حركة المنحرفين، وهكذا حتى يهب أهل البلد لتقويم الانحراف وتغيير المنكر، وتتسع الدوائر كلما تمادى الانحراف في الاتساع، وتتدخل الدوائر الكبرى للقمع إذا كان المنكر مما يخشى منه غرق سفينة المجتمع.

ويبدأ تغيير المنكر بالإنكار القلبي، الذي يظهر آثاره في قسمات الوجه، وحركات الجسم، وأبرزها مفارقة مجلس المنكر، ثم الإنكار اللساني نصحاً وإرشاداً، فأمرٌ بالمعروف ونهي عن المنكر، ثم بالتغيير العملي باليد إذا كان القائم بهذا التغيير أو القائمون به يملكون ذلك، دون أن يتسبب عملهم بشر أكبر من وقوع المنكر، هذا هو المنهج القرآني الإصلاحي الذي يستفاد من قواعده التربوية العامة، وعليه ينبغي أن يحمل قول الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإذا لم يستطع فبلسانه، فإذا لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ".

إن دلالة الترتيب في هذا الحديث تتعلق بحالة وصول فاعلي المنكر إلى إصرارهم على عدم الاستجابة لوسائل النصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق وموعظة حسنة، فإذا استجابوا فلا داعي لمباشرة عملية التغيير، لأن فاعلي المنكر هم الذين يحققون المطلوب منهم بأنفسهم. لكن إذا أصروا على فعل المنكر على الرغم من نصيحتهم وإرشادهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وموعظة حسنة، ثم بحزم وشيء من العنف القولي، فإنه عندئذ يأتي دور التغيير القسري، ووسيلته التغيير باليد إذا أمكن ذلك دون حدوث فتنة وشر أكبر من المنكر. لكن إذا كان التغيير باليد غير ممكن، أو كان يحدث فتنة وشراً أكبر من المنكر، فإنه يجب الاقتصار على الإنكار باللسان، وهو أحد عناصر المرحلة السابقة، وإذا كان الإنكار باللسان يحدث فتنة وشراً أكبر من المنكر، فإنه يجب الاقتصار على الإنكار بالقلب، مع اتخاذ ما يدل عليه قي قسمات الوجه، وحركات الجسم، ومفارقة مجلس المنكر إذ أمكن ذلك .

لكن المجتمع الإسلامي إذا كان مجتمعاً قائماً بوظيفته دائماً فإن حالة الضعف هذه لا توجد فيه، إذ يكون جمهور المسلمين هو الدرع الواقي لحماية سفينة المجتمع وحراسها، الناصحين المرشدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وعليهم تنطبق صورة المثل الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم للمجتمع الإسلامي المثالي الذي يملك أن يأخذ على أيدي المفسدين الذين يتذرعون بذرائع شتى لتزيين إفسادهم، الذي له صفة التأثير على سفينة المجتمع الإسلامي.

فقد روى البخاري بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم في  أعلاها ويعضهم في أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ".

أما المجتمع الإسلامي الذي كثر الفساد فيه فسفينته غرقى، وأهلها يتخبطون أفراداً وجماعات على أمواج البحر أو في زوارق، وعلى خشبات متفرقات متكسرات من سفينتهم، وبعضهم غرق وأمسى من غير أهلها، أما أهلها فهم في شتات.