تاريخ نشأة الدعوة والتبليغ
مرَّت البشرية في مراحل كثيرة منذ نشأتها، وكانت ترتقي قرناً بعد قرن في معارج الفكر والعلم والخلق، وفي مختلف الظواهر الحضارية، والعلاقات الإنسانية الاجتماعية السلمية والحربية، الأسرية والقبلية والقومية والشعوبية بوجه عام، وتشابكت فيها العلاقات الاقتصادية والسياسية والإدارية والحقوقية على اختلاف أجناسها وأنواعها وأصنافها.
وكان الله عز وجل يصطفي من البشر أنبياء لوحيه، ويرسل منهم إليهم رسلاً بحسب مقتضى حاجة الأمم والشعوب والأقوام المتباعدة التي ليس بينها خطوط مواصلات، وكان ينزل على الرسل كتباً ليبلغوها من أرسلوا إليهم، وليبلغوهم معها رسالات ربهم الأخرى التي يأمرهم بتبليغها ولو لم ينزل بيانها في كتبه، وليقوم الذين آمنوا بالرسل بتعلم ودراسة رسالات ربهم، والمحافظة عليها، واتباع ما جاء فيها، والعمل بما أوجب الله عمله، واجتناب ما نهى الله عنه نهياً جازماً، ولتكون رسالات الله في ذاكرة أهل الذكر منهم للتذكير بها عند المناسبات الداعيات، فوجود أهل الذكر فيهم على مقادير الحاجات من فروض الكفاية.
وكان على الذين آمنوا برسل ربهم أن يقوموا بدعوة أقوامهم إلى دين ربهم واتباع رسله، على مقدار ما يستطيع كل واحد منهم من دعوة بعلم وحكمة، وموعظة حسنة، ومجادلة بالتي هي أحسن، أو مناصرة وتأييد للرسول، أو للدعاة من أمته.
وكان الرسل يختارون من أتباعهم من يرونهم مؤهلين لحمل الدين والدعوة إليه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكلفونهم القيام بهذه الرسالة، مع تكليف جميع الذين آمنوا بمناصرة دين الله ومناصرة رسوله، ومناصرة الدعاة من المؤمنين، وأن يدعو كل واحد منهم على مقدار علمه وإمكاناته.
لكنَّ الأمم السابقة لم تكن بحسب أوضاعها الفكرية والحضارية والنفسية مؤهلة لحفظ كتاب الله وحفظ دينه من التحريف والتغيير، ولا أمينة عليه، ولا قائمة بنشر دين الله صافياً من الشوائب والتحريفات والمفاهيم والأحكام والعبادات الدخيلة عليه، فلم يصطفها الله لتكون وارثة كتابه الخاتم، ولا أمينة على نشر رسالته التي أنزلها بالتتابع والتكامل حتى درجة التمام.
ولما وصلت البشرية إلى مرحلة من الارتقاء الفكري والعلمي والنفسي والحضاري، وإمكانات التواصل بين الشعوب، صالحة لأن تتقبل رسالة عامة واحدة، كان من حكمة الله عز وجل أن يصطفي للناس جميعاً رسالته الخاتمة، والكتاب الخاتم، والرسول الخاتم، والأمة الخاتمة.
فاصطفى الله الدين كاملاً تاماً للناس جميعاً، وأتم به نعمته على عباده، وجعله الدين الخاتم، وجعل رسالته فيه الرسالة الخاتمة.
واصطفى لهم القرآن كتاباً آيته أنه كتاب الله لا كتاب من بشر، بما فيه من وجوه إعجاز تجعل أولي الألباب يؤمنون بأنه تنزيل العزيز الحميد، وجعله هو الكتاب الرباني الخاتم.
واصطفى من الناس لتلقي وحي الدين الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عرب قريش، الذين هم من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام من زوجته هاجر المصرية، التي أهداها فرعون مصر إلى زوجته سارة، التي استمرت عقيماً حتى كبرت سنها، فأهدتها إلى زوجها إبراهيم، فولدت له إسماعيل عليه السلام، وأمره الله بأن يسكنها في مكة عند بيته المحرم، إذ كانت وادياً غير ذي زرع ولا ماء ولا ساكنين، ثم أصلح الله لإبراهيم زوجته سارة، فولدت له إسحاق عليه السلام، وكان من ذريته أنبياء ورسل بني إسرائيل.
واصطفى الله عز وجل لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم جمهوراً من الصادقين الأطهار المجاهدين الذين آمنوا به واتبعوه من قومه وبعض غير قومه، فكانوا أصحابه وأنصاره، فحملوا رسالته عاملين بها، وداعين إليها، وناشرين لها، ومجاهدين في سبيل الله حق جهاده، مُعلين كلمته، وحافظين لكتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
واصطفى الله عز وجل لحفظ كتابه وسنة رسوله، ولنشر هذا الدين في الناس أجمعين أمةَ الإجابة لدعوة الرسول الخاتم، فأورثهم الكتاب، وحملهم وظيفة تبليغ هذا الدين للناس أجمعين، وجعل منهم طائفة ظاهرة على الحق، تمسك بالكتاب، وتدعو إلى هذا الدين بصدق، وهذه الطائفة لا تزال تتجدد وتتوارث حمل رسالة الإسلام خلفاً عن سلف حتى انتهاء مدة امتحان الناس في الحياة الدنيا.
ونظراً إلى فضل الدعوة إلى الله وهداية الخلق إلى الحق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم خبير فيما رواه البخاري ومسلم: "....فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم".
وأمة الإجابة هذه هم كل من آمن بهذا النبي الخاتم، من كل شعوب الأرض، ويَبرز منهم مرتفعاً أئمةُ المتقين، الموصوفون بأنهم عباد الرحمن، فيتسلم راية الدعوة إلى دين الله خلف عن سلف، حتى تنتهي ظروف امتحان الناس في الحياة الدنيا.
فالأمة الإسلامية هي الأمة الوارثة لكتاب الله الخاتم، وقد أدت وظيفتها بحفظه والحمد لله، وبحفظ سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقام السابقون بتأدية وظيفة تبليغ الإسلام ونشره في الأرض، مع تقصيرات في بعض القرون، مسهم بسببها ظلم وعدوان عليهم من الأمم، وبعض ذل وهوان.
وعلى كل جيل من هذه الأمة أن يقوم بوظيفة تبليغ الإسلام ونشره في الأرض، مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعات المسلمين، لصيانتهم وحمايتهم عن انتشار الفساد فيهم، الذي يقذف بهم في أودية الضلال والغي فالمهالك.
قال الله عز وجل في سورة فاطر خطاباً لرسوله بشأن القرآن، وبياناً لوارثيه المصطفين من أمة الإجابة: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ(31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)﴾.
فالأمة الإسلامية الخاتمة هي الأمة التي اصطفاها الله عز وجل بحكمته لوراثة كتابه الخاتم القرآن، إذ علم تبارك وتعالى أنها مؤهلة لحفظ هذا الكتاب، ونشره في الناس، على الرغم من وجود قسم منهم هو ظالم لنفسه بالمعاصي والمخالفات على اختلاف دركاتها من دون الشرك بالله، وأما القسم الثاني منهم فهو مقتصد يكتفي بحدود التقوى، فلا يترك الفرائض والواجبات، ولا يرتكب المحرمات، وأما القسم الثالث الذي جعل هذه الأمة بمجموعها أهلاً لهذا الاصطفاء الرباني، فهم السابقون بالخيرات بإذن الله، الذين يتوسعون في مرتبة البر بفعل الصالحات من غير الواجبات، وترك ما دون المحرمات من المكروهات ونحوها، ويتوسعون في مرتبة الإحسان كمَّاً وكيفاً، فيعبدون الله كأنّهم يرونه، ويصبرون ويصابرون، ويجاهدون في الله حق جهاده.
ولما كان قضاء الله بتوريث الأمة المحمدية الكتاب قضاء مبرماً حكيماً، مستنداً إلى علمه بما ستكون عليه هذه الأمة، حسُن التعبير عنه بالفعل الماضي المعطوف بحرف العطف "ثم" الذي يشير إلى حدث سيحصل، فقال تعالى:﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا﴾ مع أن هذا التوريث لم يحصل بعد، لأن رسول الله يومئذ ما زال حياً يتنزَّل عليه الكتاب، ولم ينزل عليه منه إلا بعضه، فسورة (فاطر) من أواسط التنزيل المكي، لكن قضاء الله السابق له حكم الأمر النافذ الذي يصح أن يعبر عنه بلاغياً بالفعل الماضي، إشارة إلى أنه لا بد أن يتحقق حتماً، فهو أمر واقع لا محالة.
وقال تعالى في سورة آل عمران مخاطباً الذين آمنوا بمحمد وبما أنزل الله عليه:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)﴾. فحمَّل الله هذه الأمة واجب الدعوة إلى الخير، نظراً إلى أنَّ هذا الدين قد اشتمل على الخير الذي تدركه العقول السليمة، وتشعر به النفوس والوجدانيات التي لم تفسد فطرها التي فطرها الله عليها، وحملها أيضاً واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعات المسلمين الذين عرفوا أوامر الدين وعرفوا حسنها، فهي عندهم تندرج تحت عنوان "المعروف" وعرفوا نواهي الدين وعرفوا قبحها، فهي عندهم تندرج تحت عنوان "المنكر".
فإذا قام بهذا الواجب فريق منهم كان على سائر المسلمين أن يظاهروهم ويمدوهم بما يحتاجون إليه إذا احتاجوا مدداً، كشأن سائر فروض الكفاية التي فرضها الله على عامة المسلمين، وإذا لم يقم بهذا الواجب فريق منهم يكفي لتبليغ الناس دين الله، ولحماية المجتمع الإسلامي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الانحراف الخطير، كانوا جميعاً آثمين.
على أن كل قادر على الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مكلف أن يؤدي من هذا الواجب في حدود مجالات عمله بدءاً من أسرته فأصحابه فرفاق عمله فمن يتيسر له أن يدعوه إلى الدين، أو ينصحه أو يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر.
وقال الله عز وجل في سورة آل عمران أيضاً بعد بضع آيات من النص السابق مخاطباً هذه الأمة ومثنياً عليها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)﴾. كنتم خير أمة أخرجت للناس: أي: أنتم خير أمة حملت وظيفة الخروج لتبليغ الناس دين الله لهم، وهذه الأخيرية قد علمها الله فيكم قبل أن يخرجكم لأن علمه يشمل ما كان وما هو كائن وما سيكون، فأثنى عليكم بها. أخرجت للناس: أي: أمرت بالخروج للناس لتبليغ دين الله. وسبب بقاء هذه الأخيرية فيكم إلى أن تقوم الساعة أنكم ستظلون داخل مجتمعكم الإسلامي تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فتحمون مجتمعكم بهذا من الانحراف الخطير والانهيار إلى الحضيض الذي بلغته الأمم قبلكم، وأنكم ستظلون تؤمنون بالله مهما اشتدت عليكم النكبات من الأمم الأخرى بغية إخراجكم من الإيمان إلى الكفر. ولو آمن أهل الكتاب من اليهود والنصارى بهذا الدين لكان خيراً لهم، ولدخلوا معكم في هذه الأخيرية، لكن القليل منهم الذين استجابوا لدعوة هذا الدين فآمنوا، أما أكثرهم فلم يؤمنوا إذ منعهم فسقهم من الإيمان حتى لا يلتزموا بشرائع الإسلام وأحكامه، فيمتنعوا عما هم فيه من فسق وعصيان وكبائر فاجرة.
فالأمة الإسلامية مسؤولة عن تبليغ دين الله الخاتم للناس أجمعين، بمختلف وسائل التبليغ الحكمية المؤثرة، التي أرشد الله إليها في كتابه، أو أبانها الرسول في سنته، أو توصيل إليها الناس بتجاربهم وخبراتهم في حقول الدعوة والنصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال عز وجل في سورة البقرة خطاباً لهذه الأمة الإسلامية المحمدية بالنظر إلى مجموعها لا إلى كل فرد منها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. أمَّة وسطاً: أي: أمة ذات عدالة، وهذه العدالة التي جعلها الله عز وجل لهذه الأمة هي التي جعلتها مؤهلة لتقديم شهادتها يوم الدين، وقبول هذه الشهادة منها.
فالوظيفة الأولى للأمة الإسلامية المحمدية بالنسبة إلى غيرها من شعوب الأرض هي تبليغ دين الله، على ما أنزله الله وبلغه رسوله، وتعليم كتاب الله وسنة رسوله.
وروى البخاري ومسلم عن المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ".
وروى مسلم والترمذي وغيرهما عن ثوبان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ". وروى البخاري ومسلم والإمام أحمد عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس".
هذه الروايات وأشباهها أبانت أن أخيرية هذه الأمة الخاتمة قد اكتسبتها بسبب وجود طائفة منها في كل جيل تكون ظاهرة ظهور بيان ودعوة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فتؤدي على مقدار استطاعتها ما أوجب الله على هذه الأمة من تبليغ دينه، ودعوة الناس إليه، وتقوم في داخل جماعات المسلمين بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه الطائفة لا يضرها من خالفها أو خذلها فيصرفها عن القيام بهذه الوظيفة العظيمة التي حملها الله الأمة الإسلامية المحمدية.
وجاء في خطبة النبي صلى اله عليه وسلم في حجة الوداع قوله: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع". فحمّل الحاضرين واجب تبليغ الغائبين، ويفهم من هذا تسلسل وظيفة التبليغ، فكل من تبلغ من دين الله شيئاً فعليه أن يبلغه.
وروى الإمام الشافعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " نضَّر الله تعالى عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فربَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه..." أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
فحث الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا كل مؤمن مسلم يسمع من كلامه شيئاً على أن يحفظه ويعيه، ويؤديه بلاغاً إلى غيره ليعم في الناس علم هذا الدين. وأبان الرسول أن سامع القول قد لا يكون قادراً على أن يفقه معناه فِقهاً عميقاً، فإذا بلغه كما سمعه فقد يتلقاه منه هو أقدر على فهمه فهماً عميقاً واستنباط الأحكام منه.
وروى مسلم والإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الآثام مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً ".
فأبان هذا الحديث فضل من دعا إلى هدى، وأنه يكتب له من الأجر مثل أجور من تبعه من بعده، وظاهرٌ أنه يدخل فيمن تبعه من استفاد من دعوته ولو بعد وفاته إلى آخر حياة الناس في الأرض.
ويشهد لهذا المعنى ما رواه البخاري في الأدب المفرد ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".
والعلم الذي ينتفع به يدخل في عموم الدعوة إلى هدى، والمُدَوَّن المقروء منه الذي تتوارثه الأجيال بالانتفاع به أكثر دواماً وأبقى بين الناس، ولاسيما طلاب العلم الذين يقرؤون الكتب الإسلامية الداعية إلى هدى.
ولما كانت وظيفة الدعوة إلى الله والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدخل ضمن المسؤولية الفردية تجاه الآخرين، كانت هذه الوظيفة داخلة في عموم الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته؛ الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته ".
|