تعريف الدعوة

قبل أن نبدأ بتعريف الدعوة، لا بد من البيان أنَّ هناك ألفاظاً هي إما مرادفة لكلمة الدعوة أو منسجمة معها، وستأخذ حيزاً من التعريف بها وبيانها، وهي: التبليغ، والتذكير، والنصح، والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

  • الدعوة " الدعوة إلى الشيء أو الأمر لغة: "هي الطلب بشدة وحثٌّ إلى الاستجابة لما تكون الدعوة إليه، أخذاً أو تركاً، من اعتقاد أو قول أو عمل ".

ومما ينطبق عليه هذا التعريف اللغوي ما جاء في قول الله عز وجل في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ...﴾.

وتكون الدعوة بالمقال ملفوظاً، وقد تكون بالكلام مكتوباً، وقد تكون الدعوة بالحال عن طريق عرض النموذج لتقليده والاقتداء به، وقد تكون بوسائل مباشرة وبوسائل غير مباشرة، وقد تكون بوسائل إغرائية أو تحذيرية مثيرة لدوافع النفوس ورغباتها في الإقبال أو النفور.

والدعوة إلى الإسلام" هي الطلب بشدة وحثٌّ على الدخول في دين الإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً ".

وعلم الدعوة إلى الإسلام" هو العلم الذي تُعرف به مناهج ومسالك ووسائل وآداب الدعوة إلى الدخول في دين الإسلام اعتقاداً وقولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً ".

والأصل في الدعوة إلى الإسلام أن تكون لغير المسلمين، وقد تكون لبعض المسلمين حينما يكون حالهم مثل حال غير المسلمين.

  • التبليغ " يقال لغةً: بلّغ الرجل الشيء تبليغاً إلى كذا، وأبلغه إبلاغاً وبلاغاً إلى كذا، إذا أوصله إليه ".

وعليه نقول: بلّغ أو أبلغ الداعي إلى الله نصوصَ الدين وبياناته وتعليماته أو شيئاً منها إلى الناس تبليغاً وإبلاغاً وبلاغاً إذا أوصلها إليهم قولاً مسموعاً، أو كلاماً مكتوباً.

فتبليغ نصوص الدين وبياناته وتعليماته، تبليغاً يوصل المعاني إلى فهم المبلَّغين فهماً صحيحاً وافياً، أولُ واجبات حملة رسالة الدعوة إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، مع دعوتهم إياهم إلى الدخول في دين الإسلام، وإشعارهم بأنهم بعد البلاغ يحملون هم مسؤولياتهم تجاه ربهم، وعليهم أن يتحملوا نتائج ما يختارون هم لأنفسهم من استجابة وطاعة، أو رفض ومعصية.

فإذا استجابوا فعليهم أن يتعلموا أحكام الإسلام وشرائعه ومطلوبات الله منهم في رحلة امتحانهم في الحياة الدنيا، وأن يضعوا أنفسهم مستسلمين لوسائل التربية والتأديب والتزكية التي يوجهها لهم الدعاة إلى الله وإلى صراطه المستقيم، والمؤهلون لحمل هذه الرسالة الربانية العظيمة.

  • التذكير "هو إعادة ما سبق تبليغه وبيانه وشرحه، ليذكره من كان قد تبلَّغه حتى مستوى الفهم الصحيح الوافي، بأن يجعله حاضراً في ذاكرته، ويستخرجه من مطويات نفسه، رجاء أن ينتفع به اعتقاداً أو قولاً، أو عملاً ظاهراً أو باطناً".

والتذكرة "ما يحصل به تذكر الشيء حتى لا يطويه أو يستبعده النسيان عن الحفظ، ومن هنا أُطلق على القرآن وآياته وسائر النصوص الدينية المدونة المطلوب حفظها لفظ " تذكرة " لأنَّ تلاوتها وإعادة قراءتها تُذكِّر بمفهومات الدين وتعليماته وأحكامه وشرائعه، وسائر مطلوبات الله من عباده ".
قال الله عز وجل بشأن القرآن في سورة المدثر: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. وقال أيضاً بشأنه في سورة طه: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَى إلّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.

ويكون التذكير لمن تبلّغ سابقاً ممن لم يستجب للإسلام، أو ممن استجاب له وهو بحاجة إلى استذكار ما عُلِم سابقاً من نصوصه وتعليماته وشرائعه وأحكامه ووصاياه.

  • النصح " نُصْحُ الإنسان للإنسان بالبيان : أن يدُلَّه على ما هو خير له، ويُرغِّبه فيه ويحثه عليه، ويبين له ما يحب من عاقبة حسنة إذا أخذ بما نصحه به، وما يكره من عاقبة سيئة إذا لم يستجب لنصحه، بشرط أن يكون هذا البيان خالياً من الغش والخديعة والتوريط فيما لا خير فيه".

فالنصيحة " هي المقالة الهادية إلى خير المنصوح، الخالية الخالصة من دَخَلٍ (خديعة) وغشٍ له ". وتوجه النصيحة لكل من يدركها ويمكن أن ينتفع بها، ولو كان كافراً رافضاً الاستجابة للدعوة إلى الإيمان والإسلام، فالنصيحة تكون لغير المسلمين بدعوتهم إلى الدخول في الإسلام، وتكون للمسلمين بحثهم على التزام صراط الله المستقيم، وأداء واجبات الإسلام، واجتناب محرماته، والعمل بما رغّب بفعله، وترك العمل بما رغب بتركه.

ومن شواهد استعمال النصيحة في هداية غير المسلمين، قول الله عز وجل في سورة الأعراف حكاية لما قال نوح لقومه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ولما كانت النصيحة شاملة عامة، جاء في الحديث الصحيح قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة". روى مسلم عن تميم بن أوس الداري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".

وكان الرسول صلى اله عليه وسلم يبايعه أصحابه على النصح لكل مسلم. روى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله، قال: "بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم". وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثاً: يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولّاه الله أمركم".

  • الإرشاد " الإرشاد في اللغة: الهداية، يقال لغة : أرشده إلى الأمر إرشاداً، ورشَّده ترشيداً أي: هداه إليه. وإرشاد الضال: هدايته الطريق، وتعريفه به".
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " المعروف لغة: هو المعلوم، يقال لغة: عرف الشيء يعرفه معرفة وعرفاناً، إذا علمه".

فالأمر المعروف هو الأمر المعلوم، والمعروف ضد المنكر بمعنى المجهول. ويطلق المعروف لغة على ما يستحسن من الأفعال. أما المعروف في الاصطلاح الإسلامي: "فهو يُطلق على كلِّ ما أمر الشارع بفعله إلزاماً أو ترغيباً، فهو كلُّ ما يستحسن فعله في الإسلام، ويدخل فيما هو مستحسن في الإسلام كلُّ ما هو حسن في العقول السليمة الصحيحة الرشيدة".

وأما المنكر في الاصطلاح الإسلامي: "فهو يطلق على كلِّ ما نهى الشارع عن فعله نهياً إلزامياً تحريمياً، فهو كلُّ مستقبح في الإسلام، ويدخل فيما هو مستقبح في الإسلام ما هو قبيح في العقول السليمة الرشيدة.
ولا يدخل في المنكر ما يستحسن تركه ولا ينبغي إنكاره، بل يقال فيه: من المعروف تركه، لأن الشارع أمر بتركه ترغيباً لا إلزاماً.

ولا يَعرف مفردات المعروف ومفردات المنكر في الاصطلاح الإسلامي إلا مسلمٌ تعلَّم أحكام الإسلام وشرائعه، وعرف أنَّه مطالب شرعاً بتطبيقها، وإتباع ما جاء فيها، فهو الذي يوجه له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الاصطلاح الإسلامي. 

وعلى هذا فلا يُوَجَّه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق الاصطلاح الإسلامي إلا لمن أسلم، وتعلَّم أحكام الإسلام وشرائعه، فعرف المعروف وعرف المنكر في اصطلاحه. ويمكن توجيه الأمر بالمعروف لغير المسلمين بمعنى الجود والإحسان للناس، وبمعنى ما يستحسن من الأفعال في أعراف الناس بوجه عام، لأنَّ هذه الأمور لا تختص بمن أسلم والتزم العمل بأحكام الإسلام، بل تعم الناس جميعاً، ويدركها الناس جميعاً بمفاهيمهم العامة، بشرط أن يكون ما يوجه له مما هو مستحسن مأمور به في الإسلام. ويمكن نهي غير المسلمين عن المنكر من الأفعال في أعراف الناس إذا كان مما هو قبيح منهي عنه في الإسلام.