ما يجب على حامل الرسالة عند أدائها، وما يجب على من توجه له الرسالة

أولاً : ما يجب على حامل الرسالة عند أدائها:

على المسلم حينما يحمل الرسالة ويريد تأدية وظائفها، أن يضع نصب عينيه دواماً، أنه يحمل رسالة ربانية، وأنه مكلف أن يؤديها ضمن الحدود التي أوصى الله ورسوله بها، فلا يتجاوزها متأثراً بعوامل نفسية تجعله يخرج عن آداب أداء الرسالة، وإلا كان ضرره أكثر من نفعه، وكان خارجاً عن منهاج المرسلين.

فعليه إذا أراد أن يؤدي وظائف رسالته أن يلتزم بآداب التبليغ والنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخذاً مما جاء في القرآن والسنة.
ومما ينبغي هنا بيانه ما يلي:

  • أن يلتزم حامل الرسالة بالحكمة، وتكريم من يوجه له رسالته، والرفق به، ومخاطبته بلين القول مع حسن بيان، وأن يغتنم الفرص المناسبة الملائمة لاجتياز عقبات نفسه، وأن يشعره ببالغ حرصه على صلاح حاله، ونجاته من عذاب الله، وظفره بالسعادة العاجلة والآجلة يوم الدين، وأن لا يشهر به فاضحاً.
  • وأن لا يواجهه باستعلاء واستكبار وترفع، وأن لا يشعره بأنه خير منه عند الله وأفضل، وأن لا يستثير غضبه بما يجرح مشاعره تجاه شخصه، أو ذويه الأقربين، أو آبائه وأجداده الموتى، أو عشيرته أو قبيلته أو قومه أو لغته أو لونه أو بلده، أو غير ذلك مما يمكن أن يثير في نفسه غضباً أو كراهية أو نفوراً.
  • وأن لا يقسو عليه ما لم بجده مجاهراً مكابراً معانداً متحدياً لأحكام الدين وشرائعه، مع ادعائه أنه مسلم. وقد يُؤذَن لعالم ذي مكانة في مجتمعه بأن يقسو بالعبارة أحياناً على سلطان مستهين بتطبيق أحكام الإسلام في إرادته وحكمه، لا في سلوكه الشخصي الخاص الذي لا يجاهر به أمام العامة، فقد تكون هذه القسوة في بعض الأحيان جرأة حكيمة نافعة ترجع السلطان عن غيّه، إذ يخشى أن ينقلب عليه جمهور الناس انتصاراً لعالمهم الموقر المحبوب لديهم.

روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر وهو في طريقه إلى الطائف، فسأل أبا بكر عن صاحب هذا القبر، فقال: هذا قبر رجل كان عاتياً على الله ورسوله، وهو سعيد بن العاص. فغضب ابنه عمرو بن سعيد، وقال: يا رسول الله، هذا  قبر رجل كان أطعم للطعام، وأضرب للسهام من أبي قحافة. فقال أبو بكر: يكلمني هذا يا رسول الله بمثل هذا الكلام؟!.

فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:" اكفف عن أبي بكر ". فانصرف الرجل. ثم أقبل الرسول صلى الله عليه وسلم على أبي بكر فقال: " يا أبا بكر، إذا ذكرتم الكفار فعمموا، فإنكم إذا خصصتم غضب الأبناء للآباء ". فكف الناس عن ذلك.

قيمة خلق الصبر ووجوب تحلي حامل الرسالة به
الصبر خلق نفسي فطري أو مكتسب، من آثاره القدرة على الدأب في الأعمال الظاهرة أو الباطنة، وعلى تحمل المشقات النفسية والجسدية، مما يخالف أهواء النفس وشهواتها ورغباتها في فعل ما تكره فعله، أو ما تحب فعله.

والصبر من أجلّ الصفات النفسية ذوات الأثر في السلوك الباطن والظاهر، وذوات القيمة الثمينة، مما يتحلى به العقلاء ذوو الإرادات القويات، والأنفس العاليات الزاكيات.

وهو من صفات الله جل جلاله، فمن أسمائه تبارك وتعالى: "الصبور" وهو يحب الصابرين، وهو مع الصابرين، وهو يبشر الصابرين بالنتائج التي يحبونها، وبالأجر العظيم عنده يوم الدين، فقد جاء في النصوص القرآنية: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ- إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ - إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ-  وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.

والمحروم من خلق الصبر يصاب بالسأم والملل فالتضجر، وأخيراً يصاب بداء اليأس وترك ما هو فيه من عمل، وكثير ممن أصيب بداء اليأس فترك العمل، لو صبر قليلاً لظفر بما يريد الوصول إليه، أو بأكثر مما يريد الوصول إليه.

وأكثر الناس حاجة  إلى التحلي بخلق الصبر من يحمل رسالة الدعوة إلى الله، وإلى صراطه المستقيم، والنصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاضطلاع بمهامها.

فالسأم والملل والتضجر يجعل حامل الرسالة ييأس من فائدة قيامه برسالته، فيكف عن أدائها أو يتهاون في القيام بها، وقد يلجأ إلى اعتزال الناس والانكفاء على نفسه، وربما يجد نفسه مع أسرته الخاصة بعد حين يطول أو يقصر منساقاً مع مؤثرات البيئة التي يعيش فيها، ومتنازلاً عن بعض مبادئه التي دعا إليها، أو عن التزامه السلوكي بما كان يدعو إليه، أو بما كان يأمر به وينهى عنه. 

فصاحب الرسالة إذا لم يكن حاملاً لرسالته بصورة نشيطة، قائماً بوظائفها ومهماتها، مناضلاً من أجلها، مهتماً بأن يبلغ رسالته، مبيناً شارحاً داعياً أو مذكراً أو آمراً ناهياً، رجاء التأثير في الآخرين، وتقويم المنحرفين، وتحقيق الإصلاح المنشود، فإنه يتحول تلقائياً إلى مدافع، ثم إلى مراقبٍ غير مدافع، ثم إلى متأثر شيئاً فشيئاً، وقد يصل إلى مساير متابع، تأثراً بضواغط البيئة التي لم يستطع أن يكون فيها صامداً على القيام بوظائف رسالته في الدعوة والتقويم والإصلاح.

وهنا نلاحظ أن حكمة الله العليّ الجليل اقتضت أن يأمر رسله عليهم الصلاة والسلام، والدعاة إليه والآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر من ورائهم، بالصبر في قيامهم بوظائف رسالاتهم ومهامها في الدعوة إلى سبيل ربهم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال الله عز وجل في سورة القلم خطاباً لرسوله صلى الله عليه وسلم، والمقصود به كل داعٍ إلى سبيل ربه وآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر من أمته وناصح مرشد: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ(48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ(50)﴾.

وقال الله عز وجل لرسوله صلى اله عليه وسلم في سورة المزمل خطاباً لرسوله صلى الله عليه وسلم، والمقصود به كل داعٍ إلى سبيل ربه وآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر من أمته: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا(10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)﴾.

ولقد كان الرسول صلى اله عليه وسلم متحققاً بمضمون هذا التوجيه الرباني إبان نزول سورة (المزمل) فأخرّ الله إنزاله إلى العهد المدني، للإشعار بأن المقصود به كل حامل لرسالة الرسول من أمته.

وذلك لأن كل داعٍ إلى سبيل ربه وآمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، لا بد أن يتعرض منذ أوائل قيامه بوظائف رسالته لأقوال جارحات واتهامات باطلات من بعض الذين يوجه لهم دعوته أو تذكيره، والمطلوب منه في هذه الحالة أن يصبر على ما يقولون فيه من أقوال مؤلمة لنفسه، وأن لا يقابلهم عليها بمثلها.

وحين لا يستطيع تحمل مواجهتهم وهم يقولون فيه ما يقولون مما يؤلمه، فباستطاعته أن يهجرهم هجراً جميلاً.

الهجر الجميل يكون بالتواري عنهم بصورة مؤقتة، وعدم مقابلتهم على أقوالهم بأمثالها، والاشتغال بغيرهم مدة من الزمن، حتى إذا شعر بأنهم كفوا عن أقوالهم عاد إلى دعوتهم وتوجيه النصح والتذكير لهم، لإشعارهم بأنه قد هجرهم هجراً مؤقتاً لئلا يجرئهم على إهانته، ولئلا يرد على إساءاتهم بأمثالها.

ثانيا - ما يجب على من توجه له الرسالة:

على المسلم الذي توجه له رسالة النصح والإرشاد، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن لا يأنف ولا يستكبر ولا يغضب، ولا تأخذه العزة بالإثم، إذا كان من ذوي القوة أو المال، أو الجاه أو السلطان.

بل عليه أن يتقبل ما يوجه له حامداً شاكراً، وأن يسأل الله أن يلهمه السداد والرشد في أمره كله، وأن يصرف عنه نزغات الشيطان، وأن يقدره على أن يتغلب على أهواء نفسه وشهواتها الجامحات.

وقد ذم الله عز وجل الذي تأخذه العزّة الإثم إذا قيل له: اتق الله، وتوعده بعذاب في جهنم على استكباره عن تقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخويف عن عذاب الله، فقال عز وجل في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ(204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ(205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ(206)﴾.

لهذا لم يكن السلف الصالح يستكبرون عن الاستجابة للأمر بتقوى الله عز وجل، ولو كان من وجَّهه لهم مخطئاً في اجتهاده وفي وجهة نظره.

روي أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أمير للمؤمنين في حوار بينهما: اتق الله. فأنكر على الرجل بعض الحاضرين، فقال له: أتقول لأمير المؤمنين: اتق الله؟! فقال عمر رضي الله عنه: "دعه فليقلها لي: نِعم ما قال، لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها ".

وجاء في خطبة عمر رضي الله عنه لما ولي الخلافة فيما روي عن سعيد بن المسيب قوله: " فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاّني الله من أمركم ".

كانت سياسة الأنبياء والمرسلين في أقوامهم سياسة نصح وإرشاد إلى طريق الهدى بصدق وأمانة.

دلّ على هذا القول نوح عليه السلام لقومه: ﴿ أُبلِّغكم رسالاتِ ربّي وأنصح لكم ...﴾ قال الله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(60) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(62)﴾.

وقول هود عليه السلام لقومه كما جاء في سورة الأعراف أيضاً: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ(68)﴾.

وقول صالح عليه السلام كما جاء فيها أيضاً يخاطب قومه بعد أن أهلكوا: ﴿.....يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ(79)﴾.

وقول شعيب عليه السلام كا جاء فيها أيضاً يخاطب قومه بعد أن أهلكوا: ﴿.....يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ(93)﴾.

والنصح في البيان الدعوي والإرشادي والإصلاحي هو أن يدل الناصح من ينصحه على ما هو خير له في عاجل أمره أو آجله، ويرغبه فيه ويحثه عليه، ويبين له عاقبة الأخذ بما نصحه به من خير، وعاقبة ما حذره منه من شر إذا لم يجتنبه.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبهم في سفر عند منزل نزلوه، فقال: " إنَّه لم يكن نبي قبلي إلا دلَّ أمَّته على ما يعلمه خيراً لهم، ويحذرهم ما يعلمه شراً لهم...".

وروى البخاري ومسلم عن جرير بن عبد الله رضي اله عنه قال: " بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم".

ومن النصح لكل مسلم إرشاده وتعليمه، وترغيبه في الخير، وتحذيره من الشر والأخذ بيده إلى الاستقامة على صراط الله، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.

وروى أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائرٍ ".

وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم ".