ظاهرة تعاونية

قال الله عز وجل في سورة المائدة خطاباً للذين آمنوا:

﴿...وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(2)﴾.
بالتأمل المُتأنِّي والتفكير الدقيق، نلاحظ أن النصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرفق واللين والموعظة الحسنة، ظاهرة اجتماعية تعاونية على البر والتقوى بين أفراد وجماعات المجتمع الإسلامي المثالي.

فالإنسان الفرد ضعيف عن السيطرة على أهواء نفسه وشهواتها وكبح جماحها، ولاسيما إذا نزغه من الشيطان نزغات، وتواترت عليه وساوسه وتسويلاته، وأحاط به قرناء السوء.

فهو مع الإستعاذة بربه في هذه الحالة يحتاج إلى مساعدة من أخ مؤمن أو أكثر، لتقوى بهم إرادته، وتنجلي بهم بصيرته، وعندئذ يستطيع أن يتغلب على نوازع نفسه، التي تدفعه إلى تلبية رغبات أهوائها وشهواتها الجانحات عن سوء الصراط.

فنفس الإنسان متى انطلقت مطلقة العنان، دون قيادة حكمية من عقل رشيد، وإرادة حازمة، جارت ذات اليمن أو ذات الشمال، وخرجت عن غاية هدي الصراط المستقيم، وتوغلت السبل والمسالك التي تستدرج سالكها إلى المهالك، إذ تستهويه لارتكاب كبائر الإثم والعصيان، من الفسق إلى الفجور، فالكفر والطغيان.

لكن المجتمع الذي يكون أفراده بعضهم على بعض رقباء، رجالاً ونساء، يكون له ضغط اجتماعي يمنع الأفراد من الانحراف العلني، ويكون له قوة انتظام تسري في الأفراد، فتحبب إلى نفوسهم الانسجام مع حركته وعاداته وتقاليده، وتكره إليها الشذوذ والخروج عن نظام مسيرته المشهودة للعموم، في حركته وعاداته وتقاليده ومحابه ومكارهه.

وإذ جعل عز وجل المؤمنين إخوة، برابطة الإيمان والإسلام، مع رابطة الاشتراك في الإنسانية المنحدرة من أصل واحد، في حين أن الأخوة تستدعي التوادّ والتحابب والتعاون والتناصر والموالاة بكل معانيها، فالأخوة المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وهذا يوجب أن يكون بعضهم رقباء على بعض فيما يظهر من أمورهم، وأن يكون بعضهم لبعض أعواناً وأنصاراً على كل عدو لهم، حتى نفوسهم ووساوس شياطينهم، وما يوحون إليهم من تسويلات، وأن يكون بعضهم لبعض نصحة مرشدين، ثم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، يريدون لهم الخير، ويكرهون لهم الشر، ويخافون عليهم من الانزلاق إلى المهالك بالمعاصي وكبائر الإثم، ويخافون عليهم أن يكونوا من أهل النار، يعذبون فيها مع المعذبين.

وبهذا يتبادل المؤمنون مساعدة بعضهم بعضاً، ونصرة بعضهم بعضاً على نفسه، بردعه عن ظلم نفسه وعن ظلم غيره، وهنا يأتي موقع القول الحكيم ذي المعنى الدقيق الذي قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري والإمام أحمد والترمزي عن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ". قيل: كيف أنصره ظالماً؟!!. قال: "تحجزه عن الظلم فإن ذلك نصره".

وبهذا التعاون التناصري بين المؤمنين المسلمين لحماية بعضهم بعضاً من الوقوع في معصية الله عز وجل، تظهر ذروة معاني كونهم بمثابة الجسد الواحد، الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كما أبان الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم والإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في تَوادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". أي: تسارعت بقية الأعضاء لنصرته ومؤازرته وحمايته، ومشاركته الآلام، وللسهر من أجله، وارتفاع درجة حرارتها لإمداده بالمعونة، وإنقاذه من ورطته.

فبنصرة المؤمنين بعضهم بعضاً على أنفسهم بالنصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برفق وتلطف وحسن عبارة، وبراعة أسلوب، يظهر حقاً أن بعضهم أولياء بعض، إذ أن من أبرز عناصر الولاية النصرة.

ومن أهم عناصر النصرة نصرة الإنسان على نوازع نفسه، ونوازع شياطين الإنس والجن، الذين يستهوونه إلى معصية الله التي تجره إلى عذاب أليم.

ومن أجل هذا قال الله عز وجل في سورة التوبة يصف المؤمنين والمؤمنات:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71)﴾.

فأبان الله تعالى في هذه الآية أنَّ من أهم عناصر الولاية بين المؤمنين والمؤمنات أن يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف، وينهي بعضهم بعضاً عن المنكر، وقبل هذا يأتي سُلَّم الإصلاح والنصح والإرشاد، بمقتضى الترتيب الطبيعي للأمور، وبمقتضى إتباع السياسة التربوية القرآنية.