حكم تبليغ دين الله للناس
إنّ تبليغ دين الله للناس واجب الأمة المحمدية التي اجتباها، وجعلها أمة وسطاً عدولاً. وهذا الواجب تتحمل الأمة الإسلامية جميعها مسؤولية تهيئة ما يلزم للقيام به على الوجه المطلوب، ومن ذلك تهيئة وإعداد من يقوم بالدعوة الرصينة الحكيمة إلى دين الله، وتبليغه الناس مهما اختلفت أجناسهم ولغاتهم، وتباعدت مواطنهم ومساكنهم ومنازلهم، وتهيئة وإعداد الوسائل المادية والمعنوية للقيام به.
وبالعمل الحكيم والصبر يفرز المجتمع الإسلامي للقيام بواجب الدعوة إلى سبيل الله، وتبليغ دينه، مَنْ يتحلون بالمؤهلات العلمية والنفسية والدعوية والسلوكية لأن يكونوا أئمة للمتقين من جهة، وقدوة حسنة من جهة أخرى.
وهؤلاء يتحملون مسؤولية القيام الفعلي بهذا الواجب، سواء أكان الواحد منهم متفرغاً له أم غير متفرغ، كطبيب داعية، ومهندس داعية، وتاجر داعية، وأستاذ علوم داعية، ونحو هؤلاء من مختلف الاختصاصات العلمية والعملية.
وعلى كل داعٍ إلى سبيل ربه يفرزه المجتمع الإسلامي للقيام بهذا الواجب، متفرغاً له أو غير متفرغ، أن يقوم به على مقدار استطاعته وإمكاناته الفطرية والعلمية والبيانية والنفسية والجسدية الجهادية.
ولا يجوز للواحد منهم أن يقوم بما ليس مؤهلاً له، لئلا يفتي بغير علم، أو يدعو بغير الأسلوب الحكيم، فيكون في الدين محرفاً، أو من الإسلام منفراً.
وعلى كل مسلم بعد فئة الدعاة المتخصصين، وفئة أئمة المتقين الذين يحملون رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتخصص، أن يقوم بالدعوة إلى دين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالمقدار الذي يعلمه من الدين علماً صحيحاً واضحاً، وبالمقدار الذي يحسنه من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال الله عز وجل في سورة آل عمران خطاباً للذين آمنوا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)﴾.
فأمر الله عز وجل في هذا النص جميع المؤمنين بأن يكون منهم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ويلاحظ أنه جاء التعبير عن الدعوة إلى دين الله بأنها دعوة إلى الخير، إذ كل ما في دين الله من علم واعتقاد وخلق وسلوك نفسي وجسدي، فردي واجتماعي يدخل تحت عنوان الخير، وكل ما ناقضه وضاده هو شر لا محالة.
وقد دلّ هذا النص على أن المؤمنين جميعاً مكلفون أن يُعِدُّوا أمة الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يهيئوا ما يلزم لذلك من وسائل وأسباب.
وسمىّ الله فئة الدعاة والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر أمة، للإيماء إلى وجوب كونهم مجتمعين على صفات وخصائص وروابط متميزة، تجعلهم ظاهرين في الناس كأمة واحدة، لا تَفَرُّق بين أفرادها ولا اختلاف، ولا تصدع ولا تشقيق بين صفوفها، ولا تنازع فيما بينها على المصالح الدنيوية التي تغذيها الأهواء والشهوات.
وأكد هذا المعنى الذي أومأ إليه لفظ " أمة " بنهي المؤمنين جميعاً عن التفرق والاختلاف، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(105)﴾.
أما الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات فهم أهل الكتاب الأول: اليهود والنصارى. ومعلوم أن التفرق والاختلاف لا يكونان في المجتمع البشري إلا بأسباب من الأهواء والشهوات ومطالب الحياة الدنيا. أما مطالب الآخرة، ونشدان الظفر برضوان الله فأمور لا تحدث تفرقاً ولا اختلافاً.
|