نشأة علم الحديث

كان الحديث يصدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع حياته وتصرفاته، فيسمعه الحاضر، ثم ينقله إلى غيره، وكان الصحابة إذا غابوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعمالهم الخاصة والعامة، ثم حضروا، سألوا فوراً وباستمرار عمَّا صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام يحثُّ على ذلك، فقال: "بلغوا عني ولو آية" البخاري والترمذي وأحمد، وقال: " نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها، وأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه" الترمذي وأحمد.

وقام عدد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنافس في حفظ الأحاديث وروايتها، وقام بعضهم بتدوينها وكتابتها، مع حفظها الدقيق في القلوب والعقول والصدور، قال أبو هريرة رضي الله عنه: "ما كان أحد أحفظ مني لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم انطلق الصحابة في التعليم والدعوة والفتوح لنشر الإسلام، وهداية الأمم، وخرجوا من الجزيرة العربية معلمين ومرشدين، وتفرق الصحابة في الأصقاع ينشرون العلم، ويبلغون الحديث، وكلما فتحوا بلداً بقي عدد منهم يدعو إلى الإسلام، ويعلم الناس الأحكام، ويتلو عليهم القرآن، ويروي لهم الأحاديث النبوية، وكان الخلفاء يبعثون كبار الصحابة لتعليم الناس أمور دينهم في كل قطر، حتى قال عمر رضي الله عنه لأهل الكوفة حين أرسل إليهم عبد الله بن مسعود: "وقد آثرتكم بعبد الله على نفسي".

وانتقلت هذه الصورة المشرقة إلى التابعين ومن بعدهم في الحرص على العلم وسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وروايته وحفظه ونقله. وظهر أمر جديد في عهد التابعين، وهو عدم اكتفاء العلماء وطلاب العلم بما سمعوه من الصحابة في بلادهم، بل شرعوا بالرحلة إلى حاضرة الدولة الإسلامية، وعاصمة العلم وموطن الصحابة في المدينة المنورة وغيرها، ليسألوا عن الأحاديث، وشاع مبدأ "الرحلة في طلب الحديث" ليتثبتوا من رواية الحديث شفاهاً بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما أن الناس دخلوا في دين الله أفواجاً، وانضوت شعوب وأمم تحت لواء الإسلام، وتفاوت بينهم الإيمان والعلم والوعي، وظهر التساهل في الرواية عند بعضهم، ثم وقع الوهن في الإسناد، ثم حاول بعض ضعاف الإيمان، وأعداء الإسلام إلى الدس عليه واختلاق الأقاويل، ونسبتها إلى السنة لتأييد اتجاه، أو شخص، أو فرقة، أو سياسة، أو مذهب.

فتنبه العلماء لذلك، واحتاطوا في الرواية عن الثقات العدول المعروفين بالورع والتقوى، وقوة الحفظ والضبط، ووضعوا القواعد المحكمة، والمبادىء الدقيقة، والمنهج القويم لسماع الحديث وقبوله، ونقله وتدوينه، وقبول الصحيح ورد الضعيف والموضوع، والتوقف عن المشتبه، وظهر إلى الوجود – ولأول مرة في تاريخ الأمم والشرائع والأديان والشعوب – علم الحديث الذي يعتبر من خصائص الأمة الإسلامية المشرفة، بوضع قوانين الرواية وأصبحت "أصح وأدق طريق علمي في نقل الروايات واختبارها، حتى كان علم النقد في التاريخ الحديث مديناً للمسلمين، بل إنه مقتبس عن أصول مصطلح الحديث الإسلامي" وهو المعروف بمنهج النقد في علوم الحديث.