|
الحجُّ والعمرة
معنى الحجِّ:
الحجّ لغةً: القصد.
وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء عبادة مخصوصةٍ بشروط مخصوصة.
معنى العمرة:
العمرة لغةً: الزيارة.
وشرعاً: القصد إلى بيت الله الحرام في غير وقت الحجِّ، لأداء عبادة مخصوصة بشروط مخصوصة.
الفرق بين الحجِّ والعمرة:
الحجُّ يختلف عن العمرة من حيث الزمان، وبعض الأحكام. أما من حيث الزمان، فالحجُّ له أشهر معلومات لا يجوز بغيرها ولا تصُّح نية الحج إلا فيها، وهذه الأشهر: شوال، وذو القعدة، والعشر الأول من ذي الحجة. وأما العمرة فالسَّنَة كلها زمان لأدائها، ماعدا أيام الحجِّ لمن نوى به فيها.
وأما من حيث الأحكام، فالحجُّ فيه وقوف بعرفات ومبيت بالمزدلفة ومنى، وفيه رَمْيُ الجمار، وأما العمرة فلا شيء فيها من هذا بل هي: نية، وطواف، وسعي بين الصَّفا والمروة، وحلق أو تقصير فقط، ومن جهة أخرى، فإنَّ الحجَّ مُجمع على وجوبه بين العلماء، أما العمرة فمختلف في وجوبها.
حكم الحجّ والعمرة ودليلهما
1- حكم الحجّ ودليله:
الحجُّ فرضٌ باتفاق المسلمين، وركن من أركان الإسلام، لم يخالف في ذلك أحدٌ من المسلمين، ودليله: الكتاب، والسُّنة، والإِجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البيتِ مَن اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَن العَالَمِينَ ﴾ سورة آل عمران، آية 97.
وأما السنَّة: فقوله عليه الصَّلاة والسَّلام فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رمضان، وحجِّ البيت لمن استطاع إليه سبيلاً ".
وأما الإِجماع: فقد اتَّفقت كلمة المسلمين على فرضيته من غير أن يشذَّ منهم أحد، ولذلك حكموا بكفر جاحده لأنَّه إنكارٌ لما ثبت بالقرآن، والسنَّة، والإِجماع.
2- حكم العمرة ودليلها:
العمرة فرضٌ كالحجِّ على الأظهر من قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.....
حكمة الحجّ والعمرة
لقد شرع الله تعالى لعباده الشرائع وفصَّل لهم الأحكام تحقيقاً لمصالحهم العاجلة والآجلة في الدين والدنيا. ولقد أشار القرآن الكريم عند ذكر الحجِّ إلى وجود منافع للنَّاس ومصالح لهم، فقال تعالى: ﴿ ليَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُم وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ ﴾ سورة الحج؛ آية: 28.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: في تفسير هذه الآية: إنَّها منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة: فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا: فما يُصيبون من منافع البُّدْن، والذبائح والتجارات. وفي الحقيقة لو أردنا تفصيل كلام ابن عباس وتعداد المنافع الدينية والدنيوية التي أشار إليها لتحصَّل لنا كثير من هذه المنافع، فمن هذه المنافع:
- أولاً: اجتماع المسلمين: لأنَّ مبنى هذا الدين على الاجتماع والتآلف يبن المسلمين، فلذلك جعل الله تعالى معظم عباداته المشروعة سبيلاً لألوان من التلاقي فيما بينهم. فجعل لهم لقاءً يتكرَّر في كلِّ عامٍ مرَّة، على مستوى البقاع الإسلامية كلِّها. وشرع لتنظيم ذلك الحجَّ إلى بيته الحرام.
- ثانياً: إحياء حقيقة الأخوة الإسلامية وإبرازها بشكل محسوس، بحيث لا تؤثِّر عليها حواجز اللغات وتباعد البلدان. وخير وسيلة لإحيائها تلاقيهم حول بيت الله العتيق، يلهجون بدعاءٍ واحدٍ لربٍّ واحدٍ باتجاه واحد.
- ثالثاً: شدُّ المسلمين جميعاً مهما تباعدت ديارهم إلى محور مكة المكرَّمة التي هي مشرق الإسلام في الأرض، والتي منها انبثق نور التوحيد إلى أقطار العالم، لتكون رمز وحدتهم وتجسيد مبدئهم.
- رابعاً: هو مظهرٌ من مظاهر المساواة بين المسلمين، تسقط فيه سائر الاعتبارات التي تميِّز النَّاس وتحملهم على التفاخر في الملبس والمسكن، ويستوي السيِّد والمسود، والخدم والمخدوم، تغمر الجميع روحانية واحدة، وهي نشوة القرب من الله تعالى والتطلِّع لرضاه.
وإنَّه مظهرٌ رائع يذكِّر بالمبدأ حين يخرج النَّاس من بطون أمهاتهم سواء، لا مزيّة لأحدٍ على غيره، كما يذكِّر بالمعاد حين يقوم النَّاس لربِّ العباد حُفَاةً عُراةً لا أحساب ولا أنساب.
- خامساً: والحجُّ كذلك أكبر مذكِّر يذكِّر المسلمين حال آبائهم وأسلافهم من الأنبياء والمرسلين، فكلُّ موقفٍ من مواقف الحجّ مرتبطٌ بحدث يثير في مشاعر الحجَّاج كثيراً من الذكريات، فعند البيت يتجلَّى في خاطر المؤمن سيدنا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وهما يبنيان البيت العتيق، وتتجلَّى صور المصطفى وهو يقبِّل الحجر، ويطعن الأصنام لتهوي رؤوسها مَخْزيَّة مَهينة، وعند الصًّفا والمروة يتذكَّر المسلم السيدة هاجر عليها السلام وهي تسعى بينهما تطلب الماء لولدها إسماعيل. وفي منى عند الجمرات يستشعر مواقف سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو يعارض الشيطان ويخالف أوامره ويرجمه بالحصباء، ويُقبل على امتثال أمر ربِّه، وينفِّذ ما أوحاه إليه في رؤياه من ذبح ابنه.
- سادساً: أضف إلى كلِّ ذلك ما يناله فقراء تلك البلاد في ذلك الموسم المبارك من الرزق الذي يغني فقيرهم السنة كلَّها، تحقيقاً لدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام حيث قال: ﴿ ربَّنا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِم وارْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُم يَشْكُرُونَ ﴾ سورة إبراهيم؛ آية: 37.
- سابعاً: والحجُّ تربيةٌ للجسم على الخشونة وتحمّل المشاق والصبر على المكاره. وتربية للخلق على التواضع والتسامح وحسن المعاشرة وطيب الملاطفة. وتربية للنفس على البذل والتضحية والصدقة والإحسان. وتربية للضمير على الطهارة والرقابة لله تعالى، قال تعالى: ﴿ الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنًَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ﴾ سورة البقرة؛ آية: 197.
من يجب عليه الحجّ والعمرة
يجب الحجّ والعمرة على من توفرت فيه الشروط الستة الآتية:
1- الإسلام:
لأنَّ شرط صحة العبادة الإسلام.
2- العقل:
لأنَّ الله تعالى إذا أخذ ما وهب فقد أسقط ما أوجب، ولا يتم التكليف شرعاً إلا بالعقل.
3- البلوغ:
إذ التكليف شرعاً إنما يكون بالبلوغ.
4- الحريّة
5- أمن الطريق:
لو خاف على نفسه أو ماله عدوّاً، أو كان الطريق خطراً لوجود حربٍ مثلاً، لا يجب عليه الحجُّ ولا العمرة لحصول الضرر.
6- الاستطاعة:
لقوله تعالى: ﴿ وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً ﴾ سورة آل عمران؛ آية: 98.
بِمَ تتحقق الاستطاعة؟
والاستطاعة تتحقَّق بأن يملك الإنسان المال الذي يلزمه لأداء الحجّ والعمرة، من أجرة مركوب ونفقة ذهاباً وإياباً، وبالإضافة لما تفرضه عليه اليوم الحكومات من نفقة جواز سفر، وأجرة مطوِّف، ويجب أن يكون هذا المال زائداً عن دَيْنِه وعن نفقة عياله مدَّة غيابه.
أنواع الاستطاعة:
والاستطاعة نوعان: استطاعة مباشرة، واستطاعة غير مباشرة.
- فالاستطاعة المباشرة: هي أن يتمكَّن الإنسان من الحجِّ والاعتمار بنفسه، بأن يكون قادراً صحيح الجسم، يمكنه السفر، وأَداء المناسك، من غير أَن يناله ضرر كبير أو مشقَّة لا تحتمل.
- الاستطاعة غير المباشرة: هي أَن يملك المكلَّف من المال ما يمكنه إِنابة غيره بالحجّ عنه في حياته أَو بعد مماته، فيما إِذا كان لا يستطيع الحجَّ بنفسه لكبر أَو مرض أَو نحو ذلك.
ملاحظة:
يشترط في وجوب حجِّ المرأة وعمرتها زائداً على الشروط التي تقدَّم ذكرها في الرجل شرطان: أحدهما:
- أَن يكون مع المرأة زوجٌ لها، أَو أَن يكون معها مَحْرَم بنسب أو غيره، وذلك لما ورد في الصحيحين: " لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو مَحْرَم ".
- أو أن يوجد معها نِسْوة ثقات مشهورات بالعفَّة والتديُّن، وأقلُّ ذلك أن يكون معها امرأتان وهي الثالثة، ولا يُشترط وجود مَحْرَم أو زوج لإحداهنَّ معهنَّ لأنَّه باجتماعهنَّ وهنَّ ثقات يحصل الأمن عليهنَّ، والاطمئنان إلى عدم افتتان إحداهنَّ، وإذا لم تجد المرأة مَحْرَماً يحجّ ويعتمر معها من ماله وجب عليها أُجرة المحرم إذا كان معها تلك الأُجرة. وهذا الشرط إنما هو لوجوب الخروج إلى الحجّ، أما لجواز الخروج فإنَّه يكتفى بامرأة واحدة، وكذا يجوز الخروج وحدها إذا أُمن الطريق، وهذا خاص في أداء فريضة الحجّ، وأما في سائر الأسفار فلا بدَّ من وجود مَحْرَم زوج أو غيره.
ثانيهما:
أن لا تكون معتدَّة من طلاق أو وفاة مدَّة إمكان السير للحجِّ.
تنبيه: ليس للمرأة السفر إلا بإذن زوجها، فإن منعها منه لم يجز لها الخروج. فإن ماتت في حال قدْرتها ومنْع الزوج لها، قُضي الحجُّ من تركتها ولا تعدُّ آثمة في ذلك.
من يَصحّ منه الحجّ
شروط من يَصحّ منه الحجّ هي:
الشرط الأَول: الإِسلام:
فمن لم يكن مسلماً لم يَصحّ حجّه.
الشرط الثاني: التمييز:
فإذا لم يبلغ الطفل سنَّ التمييز لم يَصحّ حجّه مباشرةً.
والتمييز أن يبلغ الطفل سناً يتوفَّر لديه من النباهة والوعي ما يجعله قادراً على أن يستقلّ بطهارته وإصلاح شأنه، وهي قد تختلف ما بين طفلٍ وآخر.
الشرط الثالث: أن يحرم به في ميقاته الزمني:
والميقات الزمني للحجّ شهر شوَّال، وذي القعدة، والعشر الأول من ذي الحجَّة.
الشرط الرابع: أن يكون وافي الأركان.
فهذه هي شروط صحّة الحجّ، فإذا توفَّرت صحّ الحجّ، بقطع النظر عن ثبوت وجوبه. ويتبيَّن إذاً أنَّ الطفل المميِّز إذا باشر الحجَّ صحّ حجّه، ولو لم يكن مكلَّفاً به بعد، بل يَصحُّ حجُّه إذا لم يكن مميّزاً أيضاً فيما إذا أحرم عنه وليُّه، ثم طاف وسعى به، ورمى الجمار عنه، ووقف به في عرفة.
أركان الحجّ
أركان الحج هي تلك الأعمال التي إذا أُهمل واحد منها بطل الحج، ولم يعد ينجبر بأيّ كفارة أو فدية. وهي خمسة أشياء:
الأول: الإحرام:
المقصود بالإحرام نية الدخول في الحجّ، فكما أن النيَّة ركن أساسي من أركان الصلاة، فهي هنا ركن جوهري من أركان الحجّ.
الإحـرام وكيفيته
لا بدَّ لفهم ما يتعلَّق به من أحكام من أن نحدِّثك عن ثلاثة أشياء: ( المواقيت، كيفية الإحرام، محرَّمات الإحرام ).
1- المواقيت: وينقسم إلى ميقات زماني وميقات مكاني.
أ- الميقات الزماني:
هو عبارة عن شهر شوَّال وذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجَّة. فهذه المدَّة الزمنية هي الفترة المفتوحة للإحرام بالحجّ، أي فلو نوى الحاجُّ الحجَّ قبل ذلك لم تَصحّ نيَّتُه ولم يَصحّ إحرامه. وهو معنى قوله عزَّ وجلَّ : ﴿ الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ سورة البقرة؛ آية 197.
ب- الميقات المكاني:
وهو عبارة عن حدود معروفة تحيط بالحرم المكيِّ من شتى جهاته، حدَّدها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالنسبة للقادمين إليه من الآفاق البعيدة، بحيث يجب عليهم إذا وصلوا ولم يكونوا محرمين أن يبدؤوا الإحرام ويلتزموا شروطه وواجباته منذ ذلك المكان. وتفصيل ذلك الحدود كما يلي:
- ( ذو الحُلَيفة ) ميقات للمتوجِّه من المدينة المنوَّرة.
- ( الجُحْفة ) ميقات للمتوجِّه من الشام ومصر والمغرب.
- ( يَلَمْلَم ) ميقات للمتوجِّه من تِهامة اليمن.
- ( قَرن ) ميقات للمتوجِّه من نجد الحجاز ونجد اليمن.
- ( ذاتُ عِرْق ) ميقات للمتوجِّه من جهة المشرق كالعراق والخليج ونحوه.
- أما من كان منزله دون هذه المواقيت قُرْباً إلى مكة المكرَّمة، فإنَّ ميقاته منزله الذي هو فيه، فهو يحرم من حيثُ ينشئ سفره. ويدخل في هذا الضابط أهل مكَّة المكرَّمة أيضاً، فيحرمون من بيوتهم داخل مكَّة المكرَّمة.
وهذه المواقيت تعتبر مواقيت للحاجِّ والمعتمر، ما داما قادمَينِ من خارج الحرم. أمَّا إذا كان المعتمر في داخل الحرم، سواءً كان مكيَّاً أو وافداً فيجب عليه الخروج للإحرام بالعمرة إلى أدنى الحِلّ، وهو ما وراء حدود الحرم ولو بخطوة واحدة. فلو أحرم من مكَّة المكرَّمة صحَّت عمرته ولزمه دمٌ.
2- كيفية الإحرام بالحجِّ والعمرة:
الإِحرام هو نيَّة الدخول في نُسك الحجّ أو العمرة أو نُسكهما معاً، مع ما يتبعه من الأعمال والآداب المتمّمة. وكيفية ذلك بإيجاز:
أولاً: إذا أراد الحاج أو المعتمر الدخول في النُّسك، قدّم بين ذلك هذه التمهيدات التالية:
- الاغتسال: وهو سنَّة، وينوي به غسل الإحرام، فإن عجز عن الاغتسال يتيمَّم.
ب- تطييب بدنه: وهو سنَّة أيضاً، ولا بأس بأن تبقى رائحته إلى ما بعد الدخول في الإحرام وأعمال النُّسك.
ج- تجرّد الرجُل عن كلِّ مَخِيط من الثياب، وهو واجب، ويستعيض عنه بإزار ورِداءٍ يُسنُّ أن يكونا أبيضين، أما المرأة فلا يجب عليها سوى كشف وجهها وكفَيها.
د- صلاة ركعتين: وهي سنَّة، ينوي بهما سنَّة الإحرام.
ثانياً: إذا أنجز هذه التمهيدات، انتظر اللحظة التي يبدأ فيها المسير أيَّاً كانت وسيلته، وعندئذ ينوي بقلبه الإحرام بالحجِّ أو العمرة، حسب ما هو قاصد إليه، ويُسنُّ أن يتلفَّظ بلسانه قائلاً: " اللهم إني نويت الحجَّ، وأحرمْتُ به لله تعالى "، ثمَّ يقول ملبِّياً: " لبيك اللّهم لبيَّك، لبيَّك لا شريك لك لبيَّك، إنَّ الحمْدَ والنِّعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك ".
والواجب من ذلك النيَّة القلبية، أمَّا التلفُّظ بها والتلبية فسنَّة. فإذا فعل ذلك فقد دخل في مناسك الحجّ أو العمرة، وسَرَت عليه الأحكام والواجبات المتعلِّقة بهما.
ثالثاً: للحاجِّ أن يختار في عقد النيّة بالإحرام كيفيةً من الكيفيات التالية:
أ- أن ينويَ الإحرامَ بالحجِّ فقط، فإذا فرغ من أعمال الحجّ، عاد إلى خارج حدود الحرم فاعتمر وأتى بأعمال العمرة.
وهذه الكيفية هي أفضل كيفيات الإحرام، وتسمَّى هذه الكيفية " الإفراد ".
ب- أن ينوي بإحرامه العمرة، حتى إذا فرغ منها حلَّ ثمَّ أحرم بالحجّ من مكَّة المكرَّمة أومن الميقات الذي أحرم بالعمرة منه، وعليه أن يذبح لقاء ذلك هَدْياً وهو شاة ممَّا تُجزئ به الأضحية ، وتسمَّى هذه الكيفية " تمتعاً " وهي تلي في الأفضلية الإفراد.
ج- أن ينوي حجَّاً وعمرةً معاً، ثمَّ يمضي في أعمال الحجّ، فتندرج تحتها أعمال العمرة أيضاً، ويستحقُّ أجرهما معاً، وعليه أن يذبح لقاء ذلك هَدْياً وهو شاة ممَّا تُجزئ به الأضحية وتسمَّى هذه الكيفية " قِرَاناً " وهي تلي في الأفضلية الكيفيتين السابقتين.
3- مُحَرَّمات الإحرام:
تحرم على المتلَبِّس بالإحرام عشرة أشياء يجب أن يتجنبها سواءً كان مُحْرِماً بحجٍّ أو بعمرة وهي:
- لبس المَخِيط أو المحيط في جميع بدنه. وكالمخيط في الحرمة الحذاءُ المحيطُ بالرِّجل.
- تغطية الرأس إلا من عذر، أو تغطية بعضه، سواءً كانت وسيلة التغطية مخيطاً أو غيره كالعمامة والقلنسوة أو أي شيء ساتر. أما الاستظلال بجدار أو مظلَّة بحيث لا تلامس رأسه فلا مانع من ذلك.
وهذان الأمران يحرمان على الرجال خاصة دون النساء.
- ترجيل الشَّعر أي تسريحه، أياً كانت وسيلة ذلك: مشطاً أو ظفراً أو نحوهما. هذا إن خيف سقوط شعرٍ بسبب ذلك. فإن لم يخف فهو مكروه فقط.
- حلق الشَّعر أو نتفه، إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك ونحوه. ويدخل في الحرمة قصّ بعض شعرة، وقاس الفقهاء على شعَر الرأس شَعَر جميع البدن.
- تقليم الأظفار، والمراد الجنس الذي يصدق بظفرٍ واحد أو بعض ظفر، إلا أن يكون من عذر، كأن انكسر ظفره وتأذَّى به فاضطر إلى قطعه.
- التطيُّب: وذلك باستعماله عمداً في أيِّ جزءٍ من أجزاء بدنه، ومثله أن يمزِج الطيب بطعامٍ أو شرابٍ فيطعمه، وأن يجلس أو ينام على فراشٍ أو أرضٍ مطيَّبين من غير حائل، ومثله أيضاً الغسل بصابون مطيَّب.
وليس في حكم التطيّب شمّ الورد، أو مائه في إنائه أو مغرسه، فلا يحرم.
- قتل الصيد المأكول إذا كان برّياً أو وحشياً. ومثل القتل مجرد صيده بوضع اليد عليه والتعرّض لشيء منه من جزءٍ أو شعر أو ريش ونحو ذلك. وخرج بالبرّي صيد البحر، فلا يحرم على المحرم، وخرج بالوحشي من المأكول الإنسيُّ منه كالنَّعم والدَّجاج وإن استوحش.
- عقد النكاح، سواء فعل المحرم ذلك لنفسه أو غيره بتوكيل منه، فإن فعل ذلك فالعقد باطل.
- الجماع بأشكاله وأنواعه المختلفة.
- المباشرة بشهوة فيما دون الجماع، كلمس وقُبلة ونحوهما.
الثاني: الوقوف بعرفة
الوقوف بعرفة هو لُبُّ أعمال الحج وأهمها، حتى لكأنَّ الحجَّ ليس إلا الوقوف بعرفة.
وتتلخص شروط الوقوف بعرفة فيما يلي:
- أن يكون الوقوف بها في جزء من أجزاء الفترة التي تبدأ بظهر اليوم التاسع من ذي الحجة إلى فجر يوم النحر. أي فلو وقف بعرفة قبل ذلك أو بعده لم يعتبر حجّه. ويكفي أن يحضر من الوقت المحدَّد للوقوف لحظة واحدة من نهار أو ليل، ولكن الأفضل أن يجمع بين جزء من النهار وجزء من الليل، فإن خرج من عرفات قبل غروب الشمس أراق دماً استحباباً لا وجوباً لمخالفته عمل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
- أن يقف ضمن حدود عرفة، في أي مكان شاء فلا يكفي وقوفه بعُرْنة، وهو اسم مكان يسامِت حدود عرفة، بينهما صخرات نصبت علامة على حدود عرفة. ويؤخر صلاة المغرب إلى العشاء جَمْعاً، يصلِّيهما في المزدلفة في طريق العودة إلى مِنَى، لفعله عليه الصلاة والسلام.
الثالث: طواف الإفاضة
لصحَّة الطواف شروطٌ نلخِّصها فيما يلي:
- أن يتوفَّر له ما يشترط لصحَّة الصلاة من النيّة، والطهارة من الحَدَث الأكبر والأصغر، ومن النجاسة على بدنه، أو ثوبه أو المكان الذي يطوف فيه، ويستر العورة.
- يشترط أن لا يَدْخُل بشيء من جسمه أثناء الطواف إلى حدود الكعبة، فعليه إذاً أن يطوف بالبيت من خارج حدود حِجْر سيدنا إسماعيل عليه السلام، لأنَّ الحِجْر داخل ضمْن حدود الكعبة. فلا يجوز الطواف من داخله.
- يشترط أن يجعل البيت عن يساره أثناء طوافه بادئاً بالحَجَر الأسود فلو بدأ بما وراء حدود الحجر الأسود، لم تحسب طوفته حتى يصل إليه.
- يشترط أن يكمل طوافه سبعة أشواط، أي سبع طوفات. فعندئذ يتم ركن الطواف، ويعتبر ذلك كلُّه طوافاً واحداً.
الرابع: السعي بين الصَّفا والمَرْوة
المراد من السعي بينهما أن يسير من الصَّفا إلى المروة ثمّ العكس سبع مرَّات: من الصَّفا إلى المرْوة مرَّة، والعكس مرَّة، وهكذا.
وشروط السعي تتلَّخص فيما يلي:
- أن يكون عقب طوافٍ، سواء كان طواف القدوم وهو الذي يستحب أن يفعله الحاج أوَّل مقدمه مكَّة، أو كان طواف إفاضة وهو طوف الركن.
- أن يكون مؤلَّفاً من سبعة أشواط مبدوءة بالصَّفا مختومة بالمروة، كل سعي بينهما محسوب شوطاً.
- أن يقطع جميع المسافة التي بين الصَّفا والمروة، فلو ترك شبراً أو أقل منها لم يصحَّ شوطه ذاك.
- أن يتابعَ ويوالي بين الأشواط السبعة، فلو فصل بينها بفاصل كبير عُرْفاً، وجب أن يستأنف السعي من جديد.
الخامس: الحلق
ويشمل مطلق ما يسمَّى قصَّاً للشَّعَر، فيدخل قصّ ثلاث شعرات فأكثر، ويدخل بمعنى استئصال شَعَر الرأس، كما يدخل التقصير مهما كان قدْره وأياً كانت وسيلته.
وشرط الحلق ما يلي:
- ألا يسبق وقته، ووقته بعد منتصف ليلة النحر، فلو حلق قبل ذلك كان آثماً ويستوجب الفدية.
- ألا يقلَّ عدد الشعرات حَلْقاً أو تقْصيراً عن ثلاث شعرات.
- يشترط أن يكون الشعر المحلوق من حدود الرأس فلا يغني عنه حلق شعرات من اللحية والشاربين مثلاً، وأما المرأة فتقصِّر ولا تؤمر بالحلق إجماعاً.
ملاحظة: من ليس في رأسه شعر سنَّ إمرار الموسى على رأسه ولا يجب.
الترتيب بين معظم هذه الأركان
لا بدَّ من الترتيب بين معظم هذه الأركان، على الوجه التالي:
الإحرام أولاً، الوقوف بعرفة ثانياً، الطواف ثالثاً، السعي رابعاً، أما الحلق فله أن يؤخره إلى ما بعد الطواف، وله أن يؤخِّر الطواف عنه.
أركان العمرة
أركان العمرة تتلَّخص كالتالي:
- الإحرام بها على طريقة الإحرام بالحج.
- يدخل مكَّة المكرَّمة فيطوف طواف العمرة مباشرةً، أي بدون طواف قدوم.
- يسعى بين الصفا والمروة.
- يحلق أو يقصِّر من شعر رأسه.
وبذلك يتحلَّل من أعمال العمرة والتزاماتها.
سنن الحجّ
أولاً: سنن الإحرام:
يسنّ عند الإحرام بالحج القيام بالآداب التالية:
- الاغتسال قبل الإحرام، فإن لم يمكن الاغتسال قام التيمُّم مقامه، ويتبع ذلك كلّ وجوه التنظيف وخصال الفطرة، كإزالة شعر الإبط والعانة، وقص الأظافر، وإزالة الأوساخ، وهذا الغسل مسنون لكل حاج ذكراً أو أنثى طاهراً أو حائضاً أو نفساء.
- التلفظ بالنية، وإجراء ألفاظها على اللِّسان، ثمّ إتباع ذلك بالتلبية وهي: " لبَّيك اللهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريك لك "، ويرفع الرَّجُل صوته بذلك، قائماً وقاعداً وماشياً، وفي مختلف الحالات. ويستمر استحباب ذلك إلى رَمي جَمْرة العقبة صباح يوم النحر. ويستقبل القِبْلة عند الإحرام ويقول: " اللهم أَحْرَم لك شعري وبشري ولحمي ودمي ". أما المرأة فيسنّ لها خفض صوتها في التلبية بحيث تسمع نفسها.
- الابتعاد عن أحاديث الدنيا وملهياتها المباحة فضلاً عن المكروهة والمحرَّمة، ما أمكن ذلك.
ثانياً: سنن دخول مكَّة المكرَّمة:
فإذا شارف الحاج دخول مكَّة المكرَّمة يُسنّ له أن يلتزم الآداب التالية:
- أن يدخل مكَّة قبل وقوفه بعرفة، ثمّ يذهب إلى عرفة منها.
- أن يغتسل لدخول مكَّة المكرَّمة عند بئر ذي طُوَى وهي بئر معروفة، كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يغتسل بمائها دائماً إذا دخل مكَّة المكرَّمة.
- أن يدخل مكَّة المكرَّمة من ثنيَّة ( كَدَاء ) وهي طريق بأعلى مكَّة المكرَّمة.
- أن يتّجِه فور وصوله إلى البيت قاصداً طواف القدوم إن كان مفرداً أو قارناً، وهي تحيَّة البيت الحرام التي كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يحرص عليها.
- أن يدخل المسجد من باب بني شَيْبَة _ أي باب السلام _ فإذا أَبصرَ الكعبةَ المشرَّفةَ رفع يديه ودعا بهذا الدعاء: " اللهم زِدْ هذا البيتَ تَشريفاً وتعظيماً وتَكْريماً ومهابةً، وزِدْ مَنْ شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه أو اعتمره تَشْرِيفاً وتعظيماً وتكْريماً وبِرّاً. اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيِّنا ربنا بالسلام ".
ثالثاً: سنن الطواف:
سنن الطواف تتلخَّص فيما يلي:
- أن يطوف ماشياً رجلاً كان أو امرأة، إلا إن أعاقه عن ذلك مرض ونحوه، فلا كراهة في أن يطوف راكباً.
- أن يستلم الحجر الأسود أول طوافه ويقبِّله ويضع جبينه عليه، فإن لم يتمكَّن أن يتلمسه بيده لازدحام ونحوه أشار إليه بيده عن بعد مكبِّراً ومهلِّلاً. وهذه السنَّة خاصة بالرجال. أما المرأة فلا يسنّ لها استلام ولا تقبيل، إلا إذا خلا المطاف أمامها. وإذا كان في الطواف ازدحام، بحيث كان استلام الحجر وتقبيله يسبب إيذاء للناس، سقط استحباب ذلك للرجل أيضاً، بل ربما عاد ذلك مكروهاً أو محرَّماً، حسب درجة الإيذاء التي تأتي نتيجة ذلك.
- أن يكرر الاستلام والتقبيل للحجر الأسود عند كلِّ شوْطٍ من طوافه، بالشروط التي ذكرناها، ويسنُّ أيضاً استلام الحجر بعد الطواف وصلاته.
- أن يقول في أوّل طوافه: " بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعاً لسنَّة نبيِّك محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام ". وأن يقول قبالة باب الكعبة: " اللهم إنَّ البيتَ بيتُك، والحرمَ حرمُك، والأمنَ أمنُك، وهذا مقامُ العائِذِ بكَ من النَّار ".
وأن يقول عند الانتهاء إلى الركن العراقي: " اللَّهم إنِّي أعوذُ بكَ من الشكِّ والشرك، والنِّفاق والشِّقاق، وسوءِ الأخلاق، وسوءِ المنظر في الأهل والمال والولد ".
وأن يقول عند الانتهاء إلى تحت الميزاب: " اللَّهم أظلَّني في ظلِّك يوم لا ظلَّ إلا ظلّك، واسقني بكأس نبيِّك محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم شراباً هنيئاً لا أَظْمأ بعده يا ذا الجلال والإكرام ".
وأن يقول بين الركن الشامي واليماني: " اللَّهم اجعله حجَّاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً، وعملاً مقبولاً، وتجارةً لن تبور، يا عزيز يا غفور ".
وأن يقول بين الركنين اليمانيَّيْن: " اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقِنَا عذاب النار ".
ويدعو بما شاء من الأدعية، والدعاءُ المأثور الوارد عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الطواف أفضل من القراءة، والقراءة أفضل من غير المأثور.
- أن يرمَل في الأشواط الثلاثة الأولى، بأن يسرع مشيه مقارباً خطاه، ويمشي على هيئته في الأشواط الأربعة الأخرى، إذا كان سيعقب طوافه سعي، وإلا بأن كان قد سعى بعد طوافٍ سابق، فلا يسنّ الرَّمَل فيه. ويسنّ أثناء الرَّمَل أن يجعل وسط ردائه تحت منكبه الأيمن، ويلقي طرفيه فوق منكبه الأيسر. ويسمَّى ذلك اضباعاً.
- أن يصلِّي بعد أن يتمَّ طوافه ركعتين خلف مقام سيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام، يقرأ في الركعة الأولى بـ ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ ﴾، وفي الركعة الثانية بـ ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ﴾.
رابعاً: سنن السعي:
- يسن إذا سعى بعد طواف ألا يعيد السعي بعد طواف آخر. فإذا سعى بعد طواف القدوم يكره أن يعيده بعد طواف الإفاضة الذي هو ركن ٌ في الحجِّ.
- يستحبُّ أن يرقى في أوَّل سعيه على الصفا، بحيث يشاهد البيت لو لم يكن دونه حجاب، ثمَّ يستقبل القِبلة قائلاً: " الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت بيده الخير وهو على كلِّ شيء قدير "، فإذا وصل بعد ذلك إلى المرْوة رَقَى عليها وقال مثل ذلك.
- أن يسعى ماشياً ما أمكنه ذلك، فإذا وصل إلى ما بين الميلَيْن الأخضرين المعروفين سُنَّ له أن يعدو ويهرول، ويدعو أثناء ذلك وعند صعوده على الصَّفا والمروة كل َّ مرَّة بما يحب لنفسه ولإخوانه وللمؤمنين.
خامساً: سنن الخروج إلى عرفة:
الوقوف بعرفة ركن من أهم أركان الحجّ، ويمكن تحقيقه بأن يذهب إليه الحاج رأساً دون المرور بمكَّة المكرَّمة. ولكن إذا أراد اتباع السنَّة كان عليه أن يراعي الخطوات التالية:
- أن يجعل صعوده إلى عرفة بعد دخوله مكَّة المكرَّمة وأدائه طواف القدوم كما ذكرنا.
- أن يخطب إمام المسلمين أو كبير قدوة فيهم في مكَّة في سابع ذي الحجة، بعد صلاة الظهر يوجِّههم إلى الصعود إلى مِنَى صباح اليوم التالي، وما يلي ذلك من خطوات المناسك... ليكونوا على بيِّنة من الأعمال التي هم مقبلون عليها.
- أن يخرجوا صباح اليوم الثامن إلى مِنَى، فيقيموا هناك إلى صباح اليوم التاسع. يصلُّون فرائضهم الخمسة في مسجد الخَيْف، حيث كان يصلِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
- أن يتَّجهوا صباح اليوم التاسع بعد شروق الشمس إلى عرفات. ويسنّ أن لا يدخلوها إذا وصلوا إلى قريب من حدودها، بل يقيمون بِنَمِرَة إلى أن تزول الشمس، حيث يصلُّون الظهر والعصر جمع تقْديم، ثمَّ يدخلون عرفات ويقفون بها إلى الغروب، يذكرون الله تعالى ويدعون ويكثرون التهليل والإنابة والتضرُّع إلى الله تعالى. هكذا فعل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه أصحابه، فيما صحَّ عنه في حجة الإسلام التي أداها قبيل وفاته.
سادساً: سنن المبيت بالمزدلفة:
فإذا وصلوا إلى مزدلفة _ وقد ذكرنا أنَّ المبيت بها واجب، بحيث يوجد فيها ولو دقيقة بعد منتصف الليل _ استحبَّ مراعاة الأمور التالية:
- البقاء في المزدلفة إلى أذان الفجر، بحيث يصلّوُن الصبح فيها مُغَلِّسين أي في أول وقتها.
- الاتجاه إلى مِنَى بعد أن يأخذوا من المزدلفة حَصَى الجِمار: سَبع حَصَيات كلّ منها أكبر من الحمصة، ودون حبة الفول.
- الوقوف عند المَشْعر الحرام _ وهو جبل صغير في آخر المزدلفة _ إذا وصلوا إليه ، والدعاء هناك إلى الإسفار، مع الإكثار من قول: " ربَّنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقِنَا عذابَ النَّار "، ثمَّ يواصلون سيرهم إلى مِنَى، شعارهم التلبية والذكر، بحيث يصلونها بعد طلوع الشمس.
سابعاً: سنن الرجم:
يُسنّ في رجم جَمْرَة العقبة اتباع الآداب التالية:
- أن لا يبتدئ إذا وصل إلى مِنَى بشيء غير رَمْي الجمار، إذ هو تحية منى ذلك اليوم.
- أن يقطع التلبية عند ابتداء الرَّمْي، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يزل ملبياً حتى إذا رمى قطع التلبية، واستبدل بها التكبير.
- أن يكبِّر مع قذف كل حصاة، وأن يرميَ بيده اليمنى، رافعاً لها حتى يُرى بياضُ إبطه. أما المرأة فلا ترفع، وأن تكون الحصاة في قَدْر الباقلاء.
ويسنّ في رمي الجمار أيام التشريق اتباع ما يلي:
- أن يرمي الجمار إذا زالت الشمس وقبل أن يصلِّيَ الظهر، إلا إذا حال ازدحام شديد دون ذلك فلا مانع من التأخير.
- أن يقف من الجمرة الأولى والثانية موقفاً بحيث يتَّجه إلى القِبلة، ثمَّ يرمي الجمار واحدة إثر أخرى على النحو الذي ذكرناه في جَمْرة العقبة.
- أن ينحرف بعد الرمي قليلاً بحيث لا يناله حصى الناس أثناء الرمي، ويجعل الجمرة خلفه، ويستقبل القِبلة، ويدعو الله تعالى بخشوع وتضرّع بما شاء لنفسه ولإخوانه، ويسنّ أن يطيل ذلك قدْر سورة البقرة. فإذا أتى الجَمْرَة الثانية فعل مثل ذلك ودعا بعد الرمي بدون أي فرق بينهما، حتى إذا وصل إلى جَمْرَة العقبة، وهي التي كان قد رماها يوم النحر، رمى الجمار كما فعل في السابق. ولا يدعو بعد ذلك، ولا يقف عندها.
كيفيَّة التحلّل من الحجِّ
يبدأ وقت التحلَّل من بعد منتصف ليلة عيد النحر, عندما يكون قد دفع الحاج من عرفات وبات البيتوتة الواجبة في المزدلفة واتَّجه عائداً إلى مِنَى. هنالك تكون أمامه ثلاثة أعمال هامةً من مناسك الحج في انتظاره وهي: رمي جمرة العقبة, الحلق, الطَّواف, فإذا أنجز الحاجّ اثنين من هذه الأعمال الثلاثة, أيّاً كانت, فقد تحلَّل من الحجّ التحلُّل الأول, ويسمّونه: التحلّل الأصغر, فيجوز له مباشرة جميع المحرمات العشرة السابق ذكرها ما عدا النساء: وَطْأً, ومباشرة, وعقد نكاح. أي فيلبس ثيابه ويتطيَّب. فإذا أنجز الحاجّ العمل الثالث الباقي من تلك الأعمال الثلاثة, فقد تحلَّل من الحجِّ تحلُّلا كاملاً, ويسمّونه: التحلُّل الأكبر, أي فيجوز له مباشرة النساء وتوابعها أيضاً.
الإخلال بالحجِّ
اعلم أن الإخلال بالحجِّ يكون بسبب من الأسباب التالية:
السبب الأول:
أن يترك مأموراً به ولكن أذن الشارع للحاجّ بتركه بشرط الفدية. وهذا السبب محصورٌ في أن يحجَّ متمتعاً أو قارناً. بشرط أن يذبح لقاء ذلك هَدْياً وهو شاة ممَّا تُجزئ به الأضحية. فإن لم يجد الشاة أو ثمنها صام ثلاثة أيَّام في الحجِّ وسبعة إذا رجع. فإن لم يَصُم في الحجِّ ثلاثة أيام صامها إذا رجع إلى أهله وفرَّق بينها وبين السبعة بقدر أربعة أيام ومدة إمكان السير إلى أهله.
السبب الثاني:
أن يترك شيئاً من الواجبات، بأن لا يُحرم من الميقات, أو يترك الرمي, أو المبيت بمزدلفة, أو بمنى, أو يترك طواف الوداع.
فمن ترك واحداً من هذه الواجبات, فقد أخلَّ بالحجِّ, وعليه ليجبر هذا الإخلال أن يذبح شاة إن تيسَّر له ذلك, فإن لم يتيسَّر وجب عليه في الأصح أن يصومَ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله.
السبب الثالث:
ترك ركن من أركان الحجِّ, وهو إما يكون تركاً للوقوف بعرفة أو تركاً لواحد من بقيَّة الأركان الأخرى.
فالأول: وهو ترك الوقوف بعرفة يترتب عليه وجوب ما يلي:
- ذبح دم. كدم التمتّع أو الصيام إن لم يتيسر الدم.
- التحلُّل بعُمرة, بأن يعمل أعمال العمرة ثمَّ يتحلَّل, ومع ذلك فهي لا تحسب له عمرة مُسْقطة للواجب.
- قضاء هذا الحجِّ, سواء كان قد أحرم به عن حجة الفرض أو أحرم به متطوِّعاً, وذلك على الفور أي السنة المقبلة, ولا يجوز التأخر عنها إلا لعذر. ولا فرق في هذا بين أن يترك الوقوف بعرفة بعذر كنوم ونسيان ونحو ذلك. أو بغير عذر.
والثاني: وهو ترك واحد من الأركان غير الوقوف بعرفة, كأن يترك طواف الإفاضة والسعي, أو الحلق فهذه لا مدخل للجبران فيها, ولا يرتفع الإخلال, إلا بفعل المتروك نفسه, أي فيبقى الحجُّ معلَّقاً حتى يتدارك, مهما تطاول الزمن و مضى الوقت.
السبب الرابع:
أن يرتكب شيئاً من محرّمات الإحرام، كأن يحلق شعراً, أو يقلِّم ظفراً, أو يلبس مخيطاً... إلى آخره, فمن ارتكب شيئاً من المحرَّمات, وجب عليه جبر الإخلال الذي نتج عن ذلك على الوجه التالي:
أولاً: إن كان المحرَّم الذي ارتكبه: حَلْقاً لشعر, أو قَلْماً لأظفار, أو لبساً لمخيط, أو تطيباً, أو ستراً للرأس، أو مباشرة فيما دون الجماع، وجب عليه واحد من الأمور التالية:
أ- ذبح شاة ممّا تجزئ به الأضحية.
ب- إطعام ستة مساكين كل مسكين ما يساوي نصف صاع.
ج- صيام ثلاثة أيّام.
فهو مخيّر بفعل واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة، بشرط ألا يقلَّ المحلوق عن ثلاث شعرات، أو ثلاثة أظافر، فإن كان دون ذلك ففي الشعرة الواحدة أو الظفر الواحد مدّ طعام، وفي الشعرتين أو الظفرين مدّين.
ثانياً: إن كان المحرَّم الذي ارتكبه الحاجُّ جِماعاً وجب أن يذبح بَدَنة، فإن لم يجد قُوِّمت البدنة دراهم ( وتعتبر القيمة بسعر مكَّة المكرَّمة) وقوِّمت الدراهم طعاماً يتصدَّق به، فإن لم يجد قيمة البدنة أيضاً، قُدِّر الطعام أمداداً (والمدُّ ملء حفنة) وصام عن كل مدًّ يوماً.
ثالثاً: أما إن كان المحرَّم اصطياداً، فينظر:
1- إن كان الحيوان الذي اصطيد، له مثل في الأنعام ، وجب ذبح مثله من الأنعام. ففي صيد النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، وفي الغزال عنـزة... إلخ.
2- إن كان الحيوان لا نقل فيه عن الصحابة وجُهل المماثل له من الأنعام، وجب الرجوع في ذلك على قرار عَدْلَين من ذوي الخبرة.
3- أما إن كان الحيوان ممَّا لا مثيل له, فيجب إخراج القيمةِ عندئذٍ و التصدُّق بها على الفقراء و يرجع في تحديد القيمة إلى قرار عَدْلَين من ذوي الخبرة.
4- يستثنى من ذلك كلِّه الحمام و نحوه مما يُهدر, ففي الواحد شاة من ضأنٍ أو معز، ثمَّ إن كان الحيوان مثليّاً تخيرَّ الصائد في جزاء الإتلاف بين أن يذبح مثله من النَّعم، كما ذكرنا ويتصدَّق به على فقراء الحَرَم خاصَّة، وبين أن يقوِّم ذلك المثل بالدراهم ويتصدَّق بما يساويها طعاماً عليهم وبين أن يصوم عن كلِّ مدٍّ يوماً.
أما غير المثلي، فيتصدَّق بالقيمة التي يقررها العَدْلان الخبيران، أو يصوم عن كلِّ مدٍّ من ذلك يوماً. يتبين لك ممَّا ذكرنا: أنَّ فديةَ ترك الواجب فديةٌ مرتّبة: الذبح أولاً، فإن عجز فالتصدُّق، فإن عجز فالصيام، وأنَّ فديةَ ارتكاب المحرَّم فديةٌ مخيَّرة: إن شاء ذبح، أو أطعم، أو صام.
الدماء الواجبة في الحج وما يقوم مقامها:
الدماء الواجبة في الحج على هذا خمسة أقسام:
القسم الأول: الدم المرتَّب المقدَّر: وهذا يجب عند ترك واجب من واجبات الحجِّ، فإذا ترك واجباً مما ذكر وجب عليه أولاً ذبح شاة مجزئة في الأضحية، أو سُبُع بقرة أو سُبُع بَدَنة. فإن لم يجد شيئاً من ذلك وجب عليه أن يصوم بَدَلَها عشرة أيام، ثلاثة في الحجِّ وسبعة إذا رجع إلى أهله. ويدخل في هذا القسم دم التمتُّع ودم الفوات للوقوف، بعد التحلُّل لعمرة.
القسم الثاني: مخيَّر مقدَّر: وهذا يجب عند فعل محظور كحلق شعر وقلم ظفر وما شابه ذلك، فيجب على من فعل ذلك ذبح شاة أو صيام ثلاثة أيام أو ثلاثة آصُع من طعام برّ أو شعير يدفعها إلى ستة من مساكين الحرم، لكل مسكين نصف صاع. ويكفي في وجوب هذه الفِدْية إزالة ثلاث شعرات، أو قلم ثلاثة أظفار.
القسم الثالث: مخيَّر معدَّل: وهذا يجب عند قطع نبت أو قتل صيد، فمن فعل ذلك وجب في حقِّه إن كان للصيد مِثْلٌ أو شَبَهٌ صوري أن يذبح المثل في الحرم، أو يشتري لأهل الحرم حبّاً بقدر قيمته يوزعه عليهم، أو يصوم عن كل مدّ يوماً.
وإن لم يكن لذلك مثل فهو مخيَّر بين الإطعام والصيام، إلا الحمام فيجب في الحمامة شاة.
القسم الرابع: مرتَّب معدَّل: وهو الدم الواجب بالإحصار، فمن مُنِع من الحجِّ بعد إحرامه وجب عليه أوَّلاً أن يذبح شاة حيث أحصر، فإن لم يستطع فليطعم بقدر ثمن الدم يوزعه على الفقراء، فإن عجز عن الإطعام صام عن كلِّ مدٍّ يوماً.
القسم الخامس: مرتَّب معدَّل أيضاً: وهذا يجب على المجامع خاصة، فمن جامع قبل الإحلال الأوَّل وجب أن يذبح بعيراً، فإن عجز وجب عليه أن يذبح بقرة، فإن عجز وجب عليه أن يذبح سَبع شِياه، فإن عجز عن ذلك أطعم بقيمة البعير أهل الحرم، فإن عجز عن الإطعام، صام عن كل مدٍّ يوماً.
هذا ولا يجزئ الذبح والإطعام إلا في الحرم، وأما الصيام فيصوم حيث شاء، هذا والمراد بالترتيب في هذه الدماء أنه لا يجوز أن ينتقل إلى الثاني إلا عند عجزه عن الأول، وهو ضدُّ التخيير فهو مفوَّض إليه أن يفعل ما يختاره.
زيارة مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقبره الشَّريف
أهمية ذلك ودليله:
أما مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد دلّ على استحباب زيارته قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: " لا تشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ".
وأما قبره صلَّى الله عليه وسلَّم فقد دلَّ على استحباب زيارته وعظيم الأجر المنوط بها، إجماعُ الصحابة كلِّهم والتابعين من بعدهم على زيارة قبره صلَّى الله عليه وسلَّم. وبفعله إذ كان يزور البقيع بين حين وآخر. ولا ريب أنَّ الاستحباب يتضاعف إذا كان القبر قبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
آداب زيارة مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
على الحاج إذا فرغ من نُسك حجه وعمرته، كان عليه حين يتجه إلى مدينة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لينال شرف زيارته وزيارة مسجده التزام الآداب التالية:
أولاً: يستحب أن يعقد العزم _ لدى اتجاهه إلى المدينة المنوَّرة _ على زيارة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وزيارة مسجده، حتى يكتب له أجرهما معاً. وأن يكثر في طريقه من الصَّلاة على النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثانياً: يستحب أن يغتسل قبيل دخوله المدينة المنوَّرة إن تيسَّر له ذلك، وإلا فليغتسل قبل دخوله المسجد، وليلبس أنظف ثيابه.
ثالثاً: إذا وصل إلى باب مسجده صلَّى الله عليه وسلَّم فليقدِّم رجله اليمنى في الدخول قائلاً: " أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله، والحمد لله، اللهم صلِّ على محمَّد وعلى آل محمَّد وسلِّم، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك " ثم يدخل فيتجه إلى الروضة الكريمة، وهي ما بين المنبر والبيت، فيصلِّي تحية المسجد بجنب المنبر. إذ يُظن أن يكون هو موقف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
رابعاً: إذا صلَّى التحية في الروضة، فليأتِ إلى القبر الكريم، فيستدبر القِبلة ويستقبل جدار القبر، ويبعد عن رأس القبر نحو أربعةَ أذرع. ويقف ناظراً إلى أسفل ما يستقبله من جدار القبر، وقد أفرغ قلبه من علائق الدنيا واستحضر جلالة موقفه ومنـزلة من هو في حضرته. ثم يسلِّم بصوت خفيض قائلاً:
السَّلام عليكَ يا رسول الله، السَّلام عليك يا نبيَّ الله، السَّلام عليك يا خِيرَةَ خَلْقِ الله، السَّلام عليك يا حبيبَ الله، السَّلام عليك يا نبيَّ الرحمة، السَّلام عليك يا رسولَ ربِّ العالمين، السَّلام عليك يا خاتمَ النبيِّين، السَّلام عليك وعلى آل بيتك وأزواجك وذريَّتك وأصحابك أجمعين.
جزاكَ الله يا رسولَ الله عنَّا أفضل ما جَزَى نبيّاً ورسولاً عن أُمَّته، وصلَّى الله عليكَ كلَّما ذكركَ ذاكر، وغفل عن ذكرك غافل، أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهدُ أنَّك عبدُه ورسولُه من خلقه، وأشهدُ أنَّك قد بلَّغت الرسالة، وأدَّيتَ الأمانة، ونصحتَ الأمة، وجاهدتَ في الله حقَّ جهاده.
ثم ينحرف قليلاً نحو اليمين حيث قبر سيدنا أبي بكر رضي الله عنه فيقول: " السَّلام عليك يا أبا بكر، السَّلام عليك يا صَفِيَّ رسولِ الله، السَّلام عليك يا صاحبَه في الغار، ورفيقَه في الهجرة، السَّلام عليك يا أوَّل الخلفاء، وتاجَ العلماء، السَّلام عليك يا صَدُوق، السَّلام عليك يا صدِّيق، السَّلام عليك يا مَنْ خَرجْتَ عن مالِكَ في سبيل الله تعالى، السَّلام عليك يا مَفْخَرَةَ الإسلام والمسلمين، جزاك الله عن أمَّةِ الإسلام خيراً "، ثم ينحرف إلى اليمين أيضاً حيث قبر سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول: " السَّلام عليك يا عمر، السَّلام عليك يا فاروق، السَّلام عليك يا عادل، السَّلام عليك يا ابنَ الخطاب، السَّلام عليك يا شهيدَ المحراب، السَّلام عليك يا من مصَّرَ اللهُ بك الأمصار، وخذل المشركين والكفَّار، السَّلام عليك يا مَنَ جَعَلَ اللهُ الحقَّ على لسانك،جزاك الله عن أُمَّة الإسلام خيراً ".
ثم يعود إلى مكانه الأول، ويتجه إلى القبلة فيدعو لنفسه وللمؤمنين بما يشاء، فإنها ساعة تُرجى فيها الاستجابة إن شاء الله.
خامساً: لا يجوز الطواف بقبر النبي صلّى الله عليه وسلَّم، ويكره أن يلصق نفسه بجدار القبر، كما يكره التمسح به وتقبيله، بل الأدب أن يبتعد عن القبر كما يبتعد عنه صلَّى الله عليه وسلَّم في حضرته أثناء حياته.
سادساً: ينبغي له مدَّة إقامته في المدينة المنوَّرة أن يصلِّيَ الصلوات كلَّها في مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن يخرج كلَّ يومٍ إلى زيارة البقيع، وأن يزور قبور شهداء أحد، كما يستحب استحباباً مؤكَّداً أن يأتي مسجد قُباء، وقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يأتي مسجد قُباء في كلِّ يوم سبت، ورد ذلك في الصحيحين وغيرهما.
|