نشأة علم أصول الدين وتطوره

كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبيّن للناس أركان العقيدة والإيمان بكل بساطة تباشر حشاشة القلوب، ويتلو عليهم آيات القرآن التي تذكر فروع الإيمان وجزئياته، مع التدليل عليها، والإقناع بها، ومناقشة العقائد الباطلة، والمقارنة معها، وبيان فسادها، ليتميز الحق من الباطل، وتتكشف بوضوح وجلاء أمور العقيدة التي تقبَّلها الصحابة كاملة، وفهموها بسليقتهم على ظاهرها، وسلَّموا بما جاء فيها، وفوَّضوا كثيراً من كيفيتها، وتفاصيلها الغيبية إلى رب العالمين، مع اعتقادهم بها، وتصديقهم لها، باعتبار أنها من الغيبيات التي استأثر الله بعلمها، وأمرهم بالتصديق فيها، دون إدراك حقيقتها وكنهها، } الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ {  البقرة/3.

واستمرَّ هذا المنهج لدى عدد كبير من المسلمين حتى وقتنا الحاضر، ويطلق عليه مذهب السلف في الصفات، أو مذهب التفويض فيها لله تعالى.

ولكن الأمر لم يبق على هذا المنوال، وظهرت الدراسات مبكرة في علم التوحيد، منذ صَدْرِ الإسلام، وارتبطت بالأحداث السياسية، والتطورات الاجتماعية، وأهمها أمران: الخلافة، والقدر. وتفصيل ذلك فيما يلي:

لقد أصبحت الإمامة والخلافة قبل وبعد مقتل سيدنا علي كرَّم الله وجهه موضع نقاش شديد، وجدل حاد، وقام الخوارج في مواجهة الشيعة حول فكرة الإمامة، ووقف أكثر المسلمين مع الخلافة الأموية في موضع وسط بين الفريقين، وفي موضع النقد والتجريح فيهما، كما بدأ الخوارج نقاشهم عن الإمامة مع الشيعة والمرجئة معاً، وتطور النقاش حتى وصل إلى القدر.

ثم ظهرت المذاهب المختلفة، وقام أناس بعصيان الله تعالى، ويحتجون بأن ذلك كان في علم الله وقدره.
وقام العلماء والأئمة من التابعين بالتأليف والرد على القدرية، وكثُر التأليف في هذا المجال قبل نهاية القرن الهجري الأول، كرسالة أبي الأسود الدؤلي (69 ﻫ)، ويحيى بن يعمر (89 ﻫ)، وعبد الله بن إسحاق الحضرمي (117 ﻫ)، وأبي عمرو بن العلاء، وعمر بن عبد العزيز، وكلهم لهم رسائل في الرد على القدرية والمعتزلة.

كما كانت صفات الله تعالى محلاً للنقاش والدراسة والخلاف في القرن الهجري الثاني، وغالى كل فريق فيها، وكانوا بين إفراط وتفريط، وتعصب وتطرف، وظهرت فرق المجسمة والمشبهة والمعطلة وغيرها. كما ظهرت المعاصي في المجتمع، وثار النقاش حول مرتكب الكبيرة، فكفَّره بعضهم، وهم الخوارج، وقال آخرون: "لا يضرُّ مع الإيمان معصية" وهم المرجئة. وقالت المعتزلة: إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وأثبتوا منزلة بين المنزلتين. وبين هذه الفرق المتطرفة وقف جمهور علماء المسلمين يشرحون العقيدة وأركان الإيمان وفروعه من القرآن والسنة، بدون تطرف ولا إفراط ولا تفريط، وكانوا يعلمون الناس، ويدفعون عنهم الشبه والأراجيف، ويكتبون المصنفات.

وظهر عامل جديد في العصر العباسي، وهو انتشار الإسلام في بلاد الحضارات القديمة، ودخول الشعوب المختلفة في الإسلام، ثم ترجمة كتب اليونان والرومان والفرس إلى العربية، وبدأ الصدام الفكري، والحرب الثقافية بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى وبرز للعيان المنطق اليوناني، والفلسفة الإغريقية والرومانية التي واجه أصحابها علماء المسلمين بالطعن والتشكيك والهجوم، وتسرب ذلك إلى داخل البلاد الإسلامية، وحمل لواءه بعض الملحدين والشعوبيين والمنافقين وأعداء العرب والإسلام.

وهنا تأكد الدافع العميق لدراسة علم أصول الدين، ودراسة المنطق اليوناني، والاطلاع على الفلسفات القديمة المتنوعة، لاستخدامها سلاحاً في وجه أصحابها والرد عليهم بنفس الأسلوب والسلاح، مع الحرص على الإسلام، والدعوة إليه، ورد الشبهات عنه، وتفنيد حجج الطاعنين به خارج الدولة الإسلامية، وفي داخلها، وخاصة الباطنية وغيرها من الفرق الضالة الذين تستَّروا بالإسلام للدس فيه، والتشكيك به، وإثارة الشبه بين المسلمين وزرع البلبلة في العقيدة والتشويه في الأفكار، ودس المبادئ الداخلية والباطنة بين أفراد المسلمين، وفرقهم ومذاهبهم، مع الاستعانة بفلسفة اليونان، ومنطق الرومان، وأوهام المجوس والفرس والهنود، وعقائدهم الدينية الوثنية، حتى أمر المهدي في منتصف القرن الثاني الهجري علماء الكلام والجدل بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين وأهل الزيغ.

ونهض العلماء يدرسون الفلسفات والثقافات الأجنبية، ويتعمقون بها، ويسبرون غورها، ويعرفون أسرارها، ليستخدموها في الرد على أصحابها، وكشف زيفها، ولجؤوا إلى أسلوب المناطقة والاعتماد على الحجج الفكرية والأدلة المنطقية حتى عرف علم أصول الدين أو علم التوحيد " بعلم الكلام " إما لما فيه من المناظرة على البدع، وهي كلام صرف، وليست براجعة إلى عمل، وإما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي لله تعالى.

وأول من حمل هذا اللواء، وتحمس له، المعتزلة الذين حققوا انتصارات حاسمة في وجه الفرق المنحرفة، والتيارات الوافدة، والآراء الدخيلة، وكانوا يمجدون العقل، ويرفعونه مكاناً عالياً، ويعتمدون عليه لمواجهة الأعداء.

وتولى المعتزلة منذ القرن الثاني الهجري لواء الدفاع عن الإسلام عقيدة وشريعة من الجانب العقلي وفي علم الكلام والفلسفة ضد أعدائه، ومرت فترات طويلة، كانت المعتزلة هي الفارس الوحيد في هذا الميدان للوقوف ضد الفلسفة الإغريقية وضد الفلسفات الفارسية والهندية والوثنية، وما شابهها أو تفرع عنها من أديان ومذاهب، وما تسرب منها إلى الفرق، وخاصة الباطنية.

لكن المعتزلة لم تقتصر على إشهار هذا السيف والجدل فيه مع غير المسلمين بل سلطت أسنتها على أهل السنة والجماعة، واعتمدت على نفس السلاح العقلي في فهم القرآن، وفي تحديد مفاهيم الإسلام، مما أوقعهم في خبط شديد، وانحراف كبير، وسلطوا سلاحهم على نفس المسلمين، واستطاعوا إقناع بعض الخلفاء والحكام بآرائهم، لقوة حجتهم العقلية وحاولوا حمل الناس بالسلطة والقوة والإكراه عليها، كالقول بخلق القرآن، والتنزيه العقلي في صفات الله تعالى ومسألة نفى الرؤية وغيرها.

ووقف جماهير المسلمين والعلماء في وجههم، وتحملوا العذاب والاضطهاد والتنكيل ودامت الفتنة بذلك فترة طويلة، وخاصة في خلافة المأمون والمعتصم والواثق، وثبت العلماء والأئمة أمام هذا التيار، وأظهر الإمام أحمد بن حنبل صموداً رائعاً في الثبات على الحق، حتى رفع الخليفة المتوكل الامتحان القسري، وطلب منع المناظرات والمجادلات العلنية، لكن استمر النزاع الفكري على أشده، مما دفع حماة الإسلام وعلماء الدين، الذين يغارون على أمتهم ودينهم، ويحملون لواء الدعوة، ويشعرون بثقل المسؤولية، ويحسون بالأمانة الملقاة على عاتقهم، أن يشمروا عن سواعدهم لتفنيد آراء المعتزلة، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة، وكشف الغطاء أمام المسلمين بالتدريس والتعليم والتوجيه، والدعوة والتأليف، واعتمدوا على الحجج العقلية مع الأدلة النقلية، لتأييد العقيدة التي وردت في الكتاب والسنة، والرد على أصحاب الأهواء والضلال، ولإنقاذ المسلمين من سعير المعتزلة الذي صبوه عليهم، إلى أن خرج المعتزلة من حلبة السباق والنزاع والقتال الفكري، واقتصروا على التأليف والكتابة والبحث والتدريس في القرن الرابع والخامس الهجري، ثم أُحيط بهم، وارتفع النكير عليهم، وانقرضوا في نهاية القرن الخامس الهجري، بعد أن تركوا آثارهم في العقيدة عند الشيعة الإمامية والزيدية، كما التزم الإمامية بمذهب المعتزلة في اعتبار العقل مصدراً ثالثاً للتشريع والفقه بعد القرآن والسنة.

وظهر في هذا المجال – ممن حل محل المعتزلة في علم الكلام – مذهب الماتريدية ومذهب الأشعرية الذين قاموا بالتأليف والتصنيف والدعوة، لبيان منهج الإسلام في العقيدة وأصول الدين بالأدلة العقلية والأدلة النقلية.بالإضافة إلى العلماء الذين حافظوا على مذهب السلف بالاقتصار على الحجج النقلية والوقوف عند النصوص اعتقاداً وسلوكاً ودعوة. والماتريدية: نسبة إلى الإمام أبي منصور محمد بن محمود الماتريدي، الحنفي، إمام الهدى، الذي مات بسمرقند سنة 333 ﻫ. والأشعرية: نسبة إلى شيخ السنة، ورئيس الجماعة، وإمام المتكلمين، أبي الحسن الأشعري البصري (324 ﻫ) الذي كان إمام المعتزلة أربعين سنة، ثم تخلّى عنهم، وأخذ بمذهب أهل السنة والجماعة، وقام على نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والصفات، وبدأ بالرد على المعتزلة، وتفنيد حججهم وأدلتهم ومذهبهم بطريقتهم، وهو الخبير بهم.

وقام الإمام أبو بكر الباقلاني، محمد بن الطيب، القاضي (403 ﻫ) فتصدر للإمامة على طريقة الأشعري وهذَّبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار. ثم جاء بعد ذلك إمام الحرمين الجويني (478 ﻫ)، وحجة الإسلام الغزالي (505 ﻫ)، والإمام فخر الدين الرازي (606 ﻫ)، والقاضي البيضاوي الذي جمع بين الطرق (685 ﻫ)، وغيرهم ممن صنف في "العقيدة " أو " التوحيد " أو " الأصل " أو " الإيمان " أو " أصول الدين " أو " الفقه الأكبر ".