نشأة علم السيرة وتطوره

كانت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم عظيمة وفذَّة، ومُصطفاة ومختارة من رب العالمين، الذي أدَّبه فأحسن تأديبه، وكان الصحابة رضوان الله عليهم كوكبة منيرة تلتف حوله، يتَّبعون أخباره وحياته وتصرفاته، ويعتنون بما يصدر عنه في حياته الخاصة والعامة، في خَلقه وخُلقه، وسلمه وحربه، وإقامته وسفره، وجدِّه ومزاحه، وعُسره ويسره، وصحته ومرضه، وفي بيته وخارجه، وكانوا يتناقلون أخباره في حياته، ثم رووها بعد وفاته لأولادهم وإلى التابعين وسائر المسلمين، ولكن علماء الصحابة لم يفردوا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعلم مستقل، ولا بدروس خاصة، وظهر أقدم وأبسط ما دُوِّن عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عند متأخري الصحابة.

وظهر في عصر التابعين، وعند كبار التابعين، سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى الحقيقي في كتب كبيرة نسبياً، باسم "المغازي" ثم عرفت هذه الكتب في وقت مبكر باسم السيرة، ويعتبر الزهري (124 ﻫ) أول من استخدم كلمة السيرة كمصطلح جديد، وعلم خاص، ولذلك كانت السيرة النبوية من أقدم أشكال التدوين التاريخي عند المسلمين، وظهر عدد من المؤلفين بالسيرة في القرن الهجري الأول.
وأقدم من كتب في السيرة سعيد بن سعد بن عبادة الخزرجي الذي يُعدُّ صحابياً عند الأكثر، وقيل أنه تابعي، وهو أول من دَوَّن أشياء عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ووصل كتابه إلى أوائل العصر العباسي عند حفيده سعيد بن عمرو، كما دَوَّن سهل بن أبي حثمة الأنصاري الصحابي (41 ﻫ) قطعةً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورواها عنه حفيده الذي كان أستاذاً للواقدي، ونقل مثل ذلك عن سعيد بن المسيب (94 ﻫ)، وعبيد الله بن كعب (97 ﻫ)، والشعبي (103 ﻫ).

ثم ظهرت التصانيف الأشهر على يد عدد من التابعين مثل عروة بن الزبير(94 ﻫ)، وإبان ابن عثمان(96 ﻫ أو 105 ﻫ)، وابن شهاب الزهري (124 ﻫ)، وغيرهم من علماء التابعين في العصر الأموي.
ثم ظهرت كتب السيرة التي وصلت إلينا أصولها في العصر الحاضر مثل "سيرة محمد بن إسحاق" (150 ﻫ)، ونقلها لنا ابن هشام في "السيرة النبوية" المطبوعة، وكذا "مغازي الواقدي" (207 ﻫ). و"طبقات ابن سعد" (230 ﻫ)، و"تاريخ الطبري" الذي خصص قسطاً وافراً للسيرة النبوية، وهو ما فعله ابن كثير في "البداية والنهاية" وابن الأثير في "الكامل في التاريخ"، وغيرهما.

وتتابع التأليف بالسيرة النبوية في مختلف العصور والبلدان، وأفرد عدد من العلماء بعض جوانب السيرة بالتأليف، مثل "الشمائل" للترمذي و"دلائل النبوة" للبيهقي، والأصبهاني، والماوردي، و"الوفا بأحوال المصطفى"لابن الجوزي.

وتعرَّض بعض المتأخرين لدراسة السيرة النبوية من وجهات نظر مختلفة مثل "عبقرية محمد" للعقَّاد، و"محمد المثل الكامل" للأستاذ محمد أحمد جاد المولى، و"الرسول القائد" لمحمود شيت خطاب، و"فن الحرب" للعماد طلاس، و"فقه السيرة" للغزالي، و"فقه السيرة" للبوطي.