نشأة علوم التفسير وتدوينه
إن التفسير حقيقة ظهر مع نزول القرآن الكريم، ثم مع بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره، وذلك بتوضيح أحكام الله تعالى الواردة في القرآن الكريم، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول مُفسِّر للقرآن الكريم نظرياً وعملياً، وهو أعلم البشر بمعاني كتاب الله، وإدراك أسراره، ومعرفة مقاصده.
والقرآن الكريم نزل بلغة عربية على أمَّة عربية، فكان الصحابة يدركون معانيه، ويفهمون ألفاظه، ويحيطون بمقاصده وتراكيبه، ويعلمون أسباب نزول الآيات ومناسباتها، وإذا أشكل عليهم منه شيء، أو ورد فيه اصطلاحٌ ديني معين فزعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عنه ويقفون على مراد الله تعالى منه، وكان القرآن الكريم دستور حياتهم، ومنهج معيشتهم، وغذاء أرواحهم، وملجأ قلوبهم ، ومهوى أفئدتهم، وملء عيونهم وجفونهم، ولذلك ظهرت آثاره عليهم بالتربية والتوجيه، والإعداد والإصلاح، والتقدم والازدهار، فكانوا بحق جيل القرآن الفريد، بفهمه وتطبيقه والتفاعل معه.
وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وظهور الاختلاف في الاجتهاد والرأي بين الصحابة رضوان الله عليهم، ودخول الناس في دين الله أفواجا، وتسرب العجمة إلى داخل الدولة الإسلامية، وبزوغ النواة الأولى لبعض الفرق والمذاهب، حاول الجميع الاعتصام بالقرآن، والاعتماد عليه، والاحتجاج ببعض آياته، فظهر الاختلاف في تفسيره، وتصدى كبار الصحابة إلى بيان المعنى الصحيح، والتفسيرالمقبول لآيات الله، وتبوأ عدد من الصحابة مركز الصدارة في تفسير القرآن الكريم، معتمدين على ما تلقُّوه من الرسول صلى الله عليه وسلم، وما عرفوه من أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وما أدركوه من مقاصد الشريعة، وما يملكونه من ملكة لغوية.
وأبرز المفسرين من الصحابة ؛ الخلفاء الراشدون الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأكثر من تصدى لذلك منهم الإمام علي كرَّم الله وجهه، الذي كان يقول: "سلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم ، أَبِليلٍ نزلت أم بالنهار، أم في سهل أم في جبل".
وقام العلماء من التابعين برواية التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة، ثم أضافوا اجتهادهم ورأيهم واستنباطهم من الكتاب الكريم.
وجاءت الطبقة التالية من صغار التابعين، ومن تابعي التابعين فدوَّنوا الروايات السابقة في التفسير، وأفردوها عن علم الحديث، وظهرت لأول مرة كتب التفسير بالمأثور التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين في القرن الثاني الهجري، مثل "تفسير مجاهد" (104 ﻫ)، و"تفسير عطاء الخراساني"(133 ﻫ)، و"الناسخ والمنسوخ" لقتادة (118 ﻫ).
وفي هذا العصر دُوِّنت العلوم الأخرى، وتطورالتصنيف في التفسير بحذف الأسانيد من جهة، وجمع الروايات المختلفة من جهة أخرى، مع التأثر بالعلوم المختلفة، كالنحو والإعراب، والقراءات، والفقه، وعلم الكلام، والعلوم العقلية، وصنَّف كل قوم تفسيراً مع مراعاة العلم الذي يتقنه المفسر، أو يراه مُهمَّاً ومؤثراً لفهم لكلام الله تعالى، فظهرت التفاسير المتنوعة بحسب الموضوعات مع التفسير بالرأي، وبدأ منهج النقد للروايات والنصوص المتعلقة بالتفسير، لبيان الصحيح والضعيف، مع وضع القيود والشروط للمفسر التي نص عليها الإمام محمد بن جرير الطبري في مقدمة تفسيره، وصنَّف بعدها أعظم تفسير وأقدم تفسير وصل إلينا كاملا، وهو "جامع البيان عن تأويل القرآن " أو تفسير الطبري.
|