نشأة التصوف وتطوره

لم يُعرف علم التصوف في العهد النبوي، ولا في العهد الراشدي، كما لم يعرف في العصر الأموي، ولا في الخلافة العباسية، وإنما بدأت معالمه في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.

وحدد ذلك الإمام القشيري فقال: "اعلموا أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتَّسم أفاضلهم في عصرهم بتسمية علم سوى صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم الصحابة، ولما أدركهم أهل العصر الثاني سُمّي من صحب الصحابة بالتابعين، ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة وعناية بأمر الدين الزهاد والعباد، ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق، فكل فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله سبحانه وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة".

وهذا نص ممتاز في التأريخ للصوفية، وأنه لم يكن لهم وجود في العهود الأولى، لكن معانيها الحقة ومقاصدها العامة مِن أهداف الشريعة، ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وكثير من التابعين باسم العبادة والزهد، وهذا ما يحتج به علماء الصوفية ومؤلفوهم، ويثبتونه في كتبهم ومصنفاتهم.
وكان الزهد هو البذرة الأولى للتصوف، وظهر الزهد منذ مطلع القرن الثاني الهجري، وصنَّف فيه كبار العلماء، وعَدَّ المتصوفة هذه الكتب أصولاً لهم، ومنطلقات لمذهبهم، ويعتبر الحسن البصري (110ﻫ) أهم روَّاد التصوف، كما تعتبر كتبه من أوائل المصنفات في هذا الفن، وتتضمن عبارات كثيرة، وصيغاً متعددة تحث على الزهد.

كما كانت مبادىء التصوف تَرِدُ أيضاً تحت عنوان المواعظ والخطب والقصص والوصايا والمسائل والرقائق.

وظهر في هذه الفترة كبار الزُهَّاد، وكتب كثير منهم مصنفات وكتباً ورسائل في الزهد، ولهم عبارات مأثورة، وكانوا يمارسون التربية الروحية، ويوجهون الناس إلى الورع والتقوى، وتصدر عنهم المواعظ والحكم التي تنبع من الإسلام، وتتفق مع مقاصده وتوجيهاته.

وفي القرن الثالث الهجري والقرن الرابع تزاوجت العلوم الإسلامية بالثقافات الأجنبية وتُرجمت أكثر الكتب اليونانية والفارسية والهندية، وتأثر بعض الناس بالفلسفات المتعددة والأفكار الدينية الأخرى، وخاصة تعاليم الإشراقيين من الحكماء الإلهيين والزهد الهندي، وتسرب كثير من اصطلاحات كتب حكمة الإشراق إلى الزهاد، ودخلت إلى كتب الزهد والتصوف، وصدرت على لسان عدد منهم عبارات مشبوهة ومكفرة، ووقف تجاهم المتصوفون المعتدلون، وبقية الفئات.

وهكذا بدأ المذهب الصوفي يتبلور، ويتخذ هيكله الجديد، وصار علم التصوف سبيلاً لمجاهدة النفس ومحاسبتها والترقي بها، وتفسير حقائق الموجودات العلوية والسفلية، وحقائق الملك والروح والعرش والكرسي، وصار علماً قائماً بذاته، وله طرق سلوكية للتربية، كما أن له اصطلاحاته الخاصة الجديدة التي تلتبس على الإنسان العادي، ويفهم منها ما يتنافى مع الدين والإسلام إن أخذت بظاهرها، واختلفت الاتجاهات الصوفية، وتعددت التفاسير لمصطلحاتهم بمعانيها الباطنة، وظهرت الطرق الصوفية المتشعبة.

والحقيقة أن التصوف المغالي لا يُقبل بحال من الأحوال، وأن المبادىء الغريبة عن الدين يجب تركها والتخلي عنها، وأنه لا يُقبل مطلقاً الأخذ بظواهر المصطلحات والعبارات والنظريات التي يقولونها، وأنه لا يجوز التطرف في تربية النفس والروح على حساب العقل والتفكير من جهة، أو على حساب النصوص الشرعية والأحكام الدينية من جهة أخرى، أو على حساب الجسد ومطالبه من جهة ثالثة.

أما تربية الروح، وتهذيب النفس، ومراقبة الله تعالى، وعدم التعلق الدنيا، فهي من الإسلام، سواء سميت عبادة، أم زهداً، أم ورعاً، أم تصوفاً، أم طريقة. والأَوْلى في ذلك الاقتصار على ما ورد في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، والسيرة العطرة، والاعتقاد الجازم بفهمها على ظاهرها، والقيام بما جاء من الأذكار، وأداء العبادات، والتحرز قطعاً ويقيناً عما تسرب من الملل والنِّحَل الأخرى.