وُلِدَ رحمه الله تعالى في مدينة طرابلس الشام سنة 1242هـ الموافق سنة 1891م ونشأ في عائلة اشتهرت بالسيادة والوجاهة والتقوى والصلاح. يتَّصل نسبه الشريف بسيدنا الحسين رضي اللّه عنه.
تلقّى القرآن الكريم مع أحكامه وهو ابن تسع سنين. ثم أخذت ميول الشيخ تتجلّى في طلب العلوم والمعارف فجدّ واجتهد في تحصيل فنون اللطائف والظرائف بهمَّة سامية. وصل الليل بالنهار في طلب العلم، فقرأ على العلامة الشيخ عرابي في مدينة طرابلس بالمدرسة الستعرقيّة، ثم على العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي بالمدرسة الطواشية فدرس عنهما فن التفسير والحديث والأصول والكلام والفقه والفرائض والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والعروض والمنطق ومنهما مُنِحَ الإجازة في ذلك.
وقد لازم كبار العلماء الأعلام فتفوَّق بجدِّه واجتهاده على أقران عصره وعمَّ صيتُهُ بين الأفاضل شرقاً وغرباً.
و في سنة 1264هـ عكف على التدريس ونشر العلوم السنية، وقد انتفع به كثير من أفاضل وعلماء العصر في بيروت و طرابلس. وكان رحمه اللّه يحفظ العميم من الأحاديث النبوية الشريفة ويُلقِّنها عن ظهر قلب، وعدة متون من النحو والصرف والفقه والمعاني والبيان والمنطق ومقامات الحريري. وكان يروي الكثير الوافي من أشعار بُلغاء العرب المتقدمين والمتأخرين ويُملي رسائلهم وأمثالهم ووقائعهم ونوادرهم بالإضافة لإطِّلاعه الواسع على كتب التاريخ. وقد قال الشعر في صباه وبرع فيه، وقد بلغ ما نظمه ثمانين ألف بيت مما لم يُسبق إليه.
وفي سنة 1289 قصد مصر واجتمع بأكابر علمائها وأجلائها وأعيانها وحظيَ بمنزلةِ المجد والمهابة لدى أُمرائها.
كان رحمه اللّه إماماً جليلاً في مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان رضي اللّه عنه، وكانت محاكم جبل لبنان تأخذ فتاويه وتحكم بمقتضاها بالنظر لما اشتُهِرعنه وعُرف فيه من تدقيق وصحة نقل وقوة تحقيق.
في سنة 1268 استدعاه إلى المختارة في جبل لبنان حاكم الشوفين سعيد بك جنبلاط فاتَّخذه مستشاراً في الأحكام الشرعية والأمور العقلية وكان لديه عزيزاً مكرماً.
وفي سنة 1276 طُلب إلى بيروت وعُيِّنَ نائباً في المحكمة الشرعية وعند إجراء التنسيقات جُعل رئيساً لكُتَّاب المحكمة المذكورة وبقي فيها ما يزيد عن ثلاثين سنة، حصل فيها على ثقة العموم وأولياء الأمور لسعة اطلاعه وبديع حكمته وحلّ المستعصيات من الأمور. وقد عُرضت عليه نيابة صنعاء اليمن فامتنع عنها لبُعدها عن الوطن. ثم عُيِّنَ عضواً في شعبة مجلس معارف لواء بيروت وعند تشكيل الولاية انتُخب عضواً في مجلس المعارف. ورغم كل ذلك كان مُجدّاً في نشر العلوم وكان له في كل يوم دروس في فنون مختلفة مع اشتغاله بالتأليف.
وفي يوم الجمعة 24 شوال سنة 1307هـ أُصيب بمرضٍ عزّ شفائه وقد أقعده تسعة أشهر يعاني الألم والأوجاع صابراً مؤمناً لا يشكو ولا يتذمَّر. وقد عاش ستةً وستين سنة وتوفي ليلة الثلاثاء في 22 رجب من سنة 1308هـ. رحمه الله وتغمَّده برحمته ورضوانه.
|