الشيخ محمد الداعوق


    ولد في بيروت سنة 1910 ونشأ في أحضان القيّم إذ توفي والده سنة 1914 ووالدته سنة 1916. تركاه ولم يُخلِّفا من حطام الدنيا ما يؤمّن له سبيل العيش ورغده. وما أن شبّ حتى وجد نفسه وحيداً يُكابد مشقة العمل ليوفر لنفسه وروحه الكبيرة النزَّاعة للعلم، فأخذ يعمل نهاراً ويتعلم ليلاً دون كلل أو ملل.

    في عام 1927 سافرمع بقية طلاب العلم البيروتيين إلى الأزهر الشريف ينهل من تعاليمه ويتثقف بمعارفه. فتلقَّى العلوم الدينية على أكابر علماء الأزهر. أخذ علم تفسير القرآن الكريم عن الشيخ محمد نجيب المطيعي، فقيه الديار المصرية، والشيخ يوسف الرجوي في الرواق العباسي. وأخذ الحديث عن مُحدِّث مصر الشيخ محمد السمالوطي في مسجد الإمام الحسين والمحدِّث الشيخ الشنقيطي. وتلقَّى التوجيه الروحي والخلقي والسلوكي عن العالم والمربِّي الشيخ محمد أمين البغدادي نزيل مسجد بيبرس رحمه الله. وحوالي سنة 1932 نال الشهادة العالية.

    كما أنه التحق ببعض المدارس الليلية في القاهرة فتزوَّد ببعض مبادئ اللغة الفرنسية. كذلك لم يهمل إرتياد الجمعيات التي تنشر المعرفة والخلق والتوجيه منها جمعية الشبان المسلمين، وجمعية الهداية الإسلامية، وجمعية مكارم الأخلاق حيث كان يحاضر فيها صفوة وأكابر العلماء كالشيخ الإمام محمد رشيد رضا والشيخ الجوهري صاحب "التفسير العصري الجامع لأشتات المعارف". كما كان يحاضر فيها نخبة من الشبان الوافدين من أوروبا فينشرون نتاج معارفهم وتجاربهم.

    وفي سنة 1933 عاد إلى بيروت وقام بمهمة التدريس في عدد من المدارس الأهلية والخطابة الدينية في مختلف مساجد بيروت. ومن ثم انصرف إلى تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم في الكلية الشرعية (أزهر لبنان) حيث إستمر في أداء هذا الواجب زهاء خمس سنوات.

    وفي سنة 1944 دخل سلك القضاء الشرعي وتدرج من كاتب إلى نائب قاض ثم إلى رتبة قاض في مدينة صيدا ثم في مدينة شحيم. ثم إلى قاض في محكمة بيروت الشرعية. وقد أثبت ما يتمتع به من عدل وتجرد ونزاهة وترفع وصلاح، إذ لا يخشى في الحق لومة لائم وغضب غاضب ما دون الله فيما يُصدر من أحكام، فالحقُّ عنده فوق كل اعتبار وإنسان. في ساحته لا ظالم ولا مظلوم، ولا شيء إلا العدل والشرع.

وهكذا بنى نفسه بنفسه وشق طريق الحياة بعصامية مثالية وعزيمة المؤمن الفذ.

    وبتاريخ 1966، أُسندت اليه سدّة رئاسة المحكمة الشرعية السنية العليا فلم تزده إلا تمسكاً بأهداب الشريعة وتحقيق العدالة التي اشتُهرت عن فضيلته بغض النظر عن قريب أو بعيد لا يبغي إلا مرضاة الله تعالى.