ولد في مدينة بيروت سنة 1846 وهو إبن الشيخ محمد إبن السيد درويش الحوت البيروتي الشافعي العلوي (نسبة إلى سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه).
درج منذ حداثته على حضور حلقات التدريس التي كان يقيمها والده في بيته وفي المساجد يبث في طلاب العلم ما وُهب. وكان الشيخ عبد الرحمن بحكم صِغَر سنِّه يجلس في الصفوف الأولى وهو شديد الإنتباه، يتمتع بذاكرة فذَّة فتحت أمامه سبل الوعي الفكري باكراً فحفظ القرآن الكريم استظهاراً وأحكاماً وترتيلاً، وشغف بعلم الفقه والحديث وهو ابن اثني عشرة سنة. وما إن بلغ الثامنة عشرة من عمره حتى ملك مفاتيح العلم والمعرفة الكاملة في الشؤون الدينية فأخلص لله فكراً وقلباً وعملاً.
سار في حياته سيرة الصالحين الأبرار فحصر عمله من دنياه في السعي والعمل الدؤوب لإقامة المساجد وترميمها وإصلاح المتداعي منها وإليه يعود الفضل في إقامة تصوينة جبَّانة الباشورة. ومن أروع مساعيه جامع الحرج الذي أشرف بنفسه على بنائه إذ جمع من أهل الخير ومنهم الحلبوني الذي طلب منه إعادة المال إلى أصاحبه على أن يتحمل هو وحده تكاليف بناء الجامع إلا أنّ الشيخ عبد الرحمن إشترط أن يتحمل هو نفسه بعض التكاليف. وهكذا بوشر البناء. ولما كان الحلبوني يعلم وضعية الشيخ المالية فقد خصص له مبلغاً ليؤمن تنقله يومياً من داره في زقاق البلاط إلى الحرج حيث يقام الجامع. وذات يوم كان الحلبوني ماراً في عربته فشاهد الشيخ مهرولاً والمطر يبلله فأوقف العربة وأسرع نحوه قائلا: يا شيخي ما هذا! لماذا لا تركب عربة لتنقلك؟ أصرفت ما خصصته لذلك؟ فقال الشيخ: إي والله لقد ضممته إلى بناء الجامع وهذا يريح ضميري ويُكسبني رضا ربي. وعندها قال الحلبوني: إنك تضطرني يا شيخي لنقلك يومياً بعربتي!
وانتخب فضيلته رئيساً لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية وبعد انقضاء المدة القانونية أُعيد انتخابه رئيساً لها بالنظر للفائدة الأدبية والمادية والدينية التي أُحيطت بها الجمعية وما حصل فيها من تقدم ملموس دفع عجلتها قُدماً للثقة غير المحدودة التي كان يتمتع بها فضيلة الشيخ الصالح لدى كافة الأوساط الشعبية والرسمية.
وإبان الحرب العالمية الأولى، وعبر المجاعة الكبرى، زار جمال باشا الشيخَ في داره الخاوية من المفروشات إلا من بعض الحصر والكراسي العادية، ودخل إلى غرفة الشيخ فوجده جالساً على وسادة صغيرة يتلو آيات الله البيّنات فلم يقف له. وبعد أن أتمّ قرآنه نظرإلى جمال باشا وخاطبه: إجلس يا افندي. وأسرع الباشا وتناول يد الشيخ يوسعها تقبيلا. ثم عرض عليه بأن تقوم الدولة بفرش داره فأبى قائلا: وفروا للفقراء لقمة العيش وأنقذوا الناس من الموت جوعاً يا باشا، فهذا عند الله أعظم من كل شيء ومن ذهب الدنيا ومباهجها. وبعد أن تباسط معه الحديث، خرج جمال باشا وهو يقول لمرافقيه: ما هذا الرجل! إنّه والله ملاك صالح وهذا ما نقل إليّ عنه وقد تحققت بنفسي الآن.
وفي سنة 1331 هـ قام للمرة السابعة بأداء فريضة الحج.
وفي سنة 1336 هـ \1916 م توفَّاه الله تعالى فشُيِّعَ في موكب حاشد لم تشهد بيروت له مثيل وحزن عليه الصغير والكبير. رحمه الله وتغمَّده برحمته وجعله مع الصالحين الأبرار.
|