ولد الشيخ مصطفى نجا بمدينة بيروت في 27 رمضان سنة 1219 هـ\1852م، ونشأ في عائلة بيروتية كريمة عريقة اشتهَرت بالصلاح والتقوى وسداد الرأي والإصلاح بين الناس وعمل الخير والبر.
منذ حداثته ظهرت بوادر الخير والصلاح في حركاته وأعماله و ميله العام لنهل العلوم الدينية، فأقبل على طلب العلم حدثاً ويافعاً. في أثناء ذلك المعترك تُوفي والده وأصبح ملزماً بحمل أعباء عائلة ضخمة، ورعاية إخوته الصغار وهو لم يتجاوز العقد الثاني من عمره. فخاض غمار العمل إلى جانب العلم فكان يسعى في تجارته لتأمين أسباب المعيشة وفي الوقت ذاته يتيح لنفسه أوقاتاً للعلم والمعرفة و المطالعة.
وقد نهل عن أكابر علماء عصره: فقرأ القرآن الكريم على الحافظ الشيخ حسين شومان و جوَّده على شيخ القُرَّاء الشيخ حسين المصري الأزهري. وتلقَّى العقائد الدينية عن العلامة الشيخ عبد الباسط الفاخوري مفتي بيروت، والحديث الشريف عن الإمام المحدِّث عبد الله بن ادريس السنوسي، وقراءة الفقه و العلوم الشرعية على العلامة الشيخ يوسف الأيسر والعلامة الشيخ إبراهيم الأحدب والشيخ عمر الأنسي.
وأجازه من علماء دمشق الشيخ محمد بدر الدين الحسيني مُحدِّث الديار الشامية.
للشيخ رحمه الله تعالى مؤلفات عديدة ما زال أكثرها غير مطبوع، منها: "رسالة في التربية و التعليم" يحُثُّ فيها على فرض تعليم الأولاد وتربيتهم تربية صحيحة على أساس من التعاليم الإلهية والخلق القويم. وجاء فيها قوله: وكما أنَّ للوالد على ولده حقوقاً فكذلك له حقوق على والده، ومنها: "أن يصون ولده عن مخالطة قرناء السوء وأن يحفظ قلبه من الشر و لا يدع فيه إلا الخير الذي يوصله إلى معال الأمور.
والطبع سراق فإن ير صالحاٍ يصلح وإن ألِفَ الفساد تفسدا
ومن مؤلفاته : "كشف الأسرار لتنوير الأفكار" (في علم التصوف)، "تفسير الوظيفة الشاذلية" وقد قرظه (مدحه وأثنى عليه) كثيرون وقال فيه شيخه اليشرطي : إنَّ هذا الكتاب جامع بين الشريعة والحقيقة.
وله فتاوى كثيرة جداً تضمها ثلاث مجلدات وهي تدل على شديد دقته وسعة علمه. وكان علامة حلب الكبير الشيخ أحمد سراج الدين يقول أنَّ فتاوى الشيخ مصطفى نجا حجة.
وللشيخ رحمه الله تعالى ديوان شعر جلَّه توسلات إلهية وأناشيد روحية وأدبية. ولا عجب في أن تطغى على ديوانه الروحيات، فقد عُرف بروح صوفية رقيقة عالية تفانت في حب الله وتجلَّت في زهده وكبر نفسه، واجتنابه الزخارف الدنيوية عبَّر عنها تعبيراً مشرقاً بأشعاره العذبة الرقيقة التي كان يتوجه بها إلى الخالق العلي العظيم.
وكان إلى جانب إيمانه وشدة تفانيه بالله يُقبِل على الحياة يعالج شؤونها ويحلَّ مشاكلها ويضفي الخير على من حوله ويؤدِّي واجبه في مجتمعه على خير وجه. فَيَبرّ الناس ويحسن إليهم ويجبر عثراتهم، وينشىء المعاهد ويحثّ على ارتيادها. وكان رئيساً للجنة ثمرة الإحسان لتعليم بنات الفقراء مدة سبع سنوات. وكان يُعلِّم المعلمات بنفسه ويُنمِّي فيهنَّ روح العلم والفضيلة.
في سنة 1313 أدى فريضة الحج.
وفي سنة 1327 هـ تولَّى منصب الإفتاء وكان مقدماً للطريقة الشاذلية اليشرطية في بيروت.
توفي سنة 1913م فبكته بيروت وشُيِّع في جنازة ضخمة، وعم الحزن والألم أهالي بيروت، رحمه الله وأسكنه جنان الخلد مع الأبرار.
|