كانت صبيحة مباركة تلك التي انطلقنا فيها من بيروت إلى طرابلس،
لزيارة الأثر الشريف المتمثل في شعرة الرسول صلى الله عليه وسلم،
المحفوظة في المسجد المنصوري الكبير.
بدأ التجمع في الجامع العمري الكبير، فأقبل الجميع بحفاوة ظاهرة
واستشراف جلي. فالمناسبة عظيمة ولا ريب، إضافة إلى أن الشعرة
النبوية الشريفة لا تعرض إلا في أوقات محددة من السنة، ولا يحظى
بهذه الحظوة إلا النذر اليسير من الناس.
ومما يزيد من خصوصية المناسبة أن الجامع العمري الكبير كان يحتضن
بدوره شعرة نبوية شريفة، إلا أنها فقدت أثناء حوادث الحرب
اللبنانية المؤسفة. وما يزال الجامع يحتفظ حتى اليوم بما يسمى
بغرفة الشعرة حيث كان يعرض الأثر الشريف.
والمعلوم أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا يتبركون بآثار
الرسول صلى الله عليه وسلم وأجزائه أثناء حياته ومن بعد وفاته عليه
الصلاة والسلام. وقد ورد في السنة الكثير من الأخبار في ذلك، منها
ما رواه أنس رضي الله عنه وأخرجه مسلم قال: "رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم والحلّاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن
تقع شعرة إلا في يد رجل". ومعلوم أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم
قسّم شعره الشريف بين الصحابة رضي الله عنهم يوم حجة الوداع. وفي
ذلك بيان منه وإعلام بما أودع الله تعالى في جسمه وأجزائه الشريفة،
من الخيرات والبركات، وبما خصه به من الأسرار والأنوار.
وقد احتفظ الصحابة الكرام بهذا الآثار، وأبقوها معهم أينما
ارتحلوا، ثم تناقلتها الأجيال من بعدهم بالسند المتصل، وحظيت
باهتمام الخلفاء والملوك أيّما اهتمام، لا سيما الخلفاء العثمانيين
الذين عهدوا ببعض هذه الآثار إلى بقاع مختلفة من العالم الاسلامي،
ونالت بيروت وطرابلس نصيبهما من هذا الشرف العظيم
انطلق الجمع في حافلتين، واحدة للرجال وأخرى للنساء، وعلى رأسهم
إمام الجامع العمري الكبير فضيلة الشيخ أمين الكردي حفظه الله.
استمرت الرحلة من بيروت إلى طرابلس ساعة ونيف حفلت بمشاعر التوقير
والمحبة والاستشعار لعظمة المكرمة التي كان الجميع مقبلا عليها.
وتجلت معاني صدق الطلب، وتعالت أصوات الصلاة والسلام على النبي صلى
الله عليه وسلم، وغاب الجمع عن الانشغال بالأمور الصغيرة وقد
أقبلوا على شأن عظيم. ولعل هذه الحالة من الصدق التي اتسم بها من
شارك في الزيارة المباركة من أهم أسباب تيسيرها بداية بعد كرم الله
وعطائه الذي هو مفتاح كل فلاح
دخلت الحافلة الأحياء القديمة من طرابلس، تلك المدينة العابقة
بالتاريخ والتي تلقب بقلعة المسلمين. ترجل الجميع ودخلوا الجامع
المنصوري الكبير حيث استقلبهم القيمون هنالك بحفاوة ظاهرة ثم صلى
كل واحد تحية المسجد والضحى تبع ذلك مجلس من الإرشاد والإنشاد
ثم دعينا لرؤية الشعرة النبوية الشريفة فعمّت السكينة في الحال.
واصطف الجميع على باب غرفة خاصة في زاوية المسجد، وصار يدخل الواحد
تلو الآخر، فيمسك بالشعرة المباركة الموضوعة في زجاجة لطيفة
ويقبّلها وقد هيمنت على المكان أنوار الصلاة والسلام على الحبيب
المصطفى عليه الصلاة والسلام. ولم يكتف بعض الأخوة المحبون بالمرة
الواحدة فكانوا لما ينتهي حظهم من الشعرة يعودون إلى آخر الصف
ليعيدوا الكرة من جديد.
ثم حصل ما لم يكن في الحسبان. قام فضيلة الشيخ أمين الكردي - وقد
كان يحمل الشعرة الشريفة في يده ويسلمها للأخوة الواحد بعد الآخر-
ومسح عينيه بالأثر الشريف، وسرعان ما تداركته العبرة. فانبرى من
كان حوله إلى العمل نفسه، وتكررت الحال، فالواحد يمسح عينيه
بالشعرة الشريفة فينفجر بالبكاء تأثرا وخشوعا. وقد شوهد بعض الأخوة
ينتحبون إثر ذلك، فلا يسعهم إلا الاعتزال في زاوية من المسجد ريثما
تزول عنهم عبرتهم.
وكانت لحظة ترجى فيها استجابة الدعاء، فأخذ كل واحد يدعو بما فتح
الله عليه في ذلك المقام، واهتزت القلوب تعظيما لله تعالى واحتفاء
بنبيه صلى الله عليه وسلم...
ثم كان شكر للقيمين ووداع على أمل عودة قريبة للظفر مرة أخرى بهذه
النعمة الكبرى والعطاء الجزيل، ولسان الحال يردد {الحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}
| |
|
 |
| |
|
|
| |
|
|